وَحَاصِلُ مَا عَوَّلُوا عَلَيْهِ تَحْكِيمُ الْعُقُولِ الْمُجَرَّدَةِ ، فَشَرَّكُوهَا مَعَ الشَّرْعِ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ . ثُمَّ قَصَرُوا أَفْعَالَ اللَّهِ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُمْ وَوَجَّهُوا عَلَيْهَا أَحْكَامَ الْعَقْلِ فَقَالُوا : يَجِبُ عَلَى اللَّهِ كَذَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا . فَجَعَلُوهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ . وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْمِقْدَارَ ، بَلِ اسْتَحْسَنَ شَيْئًا يَفْعَلُهُ وَاسْتَقْبَحَ آخَرَ وَأَلْحَقَهَا بِالْمَشْرُوعَاتِ ، وَلَكِنَّ الْجَمِيعَ بَقُوا عَلَى تَحْكِيمِ الْعُقُولِ ، وَلَوْ وَقَفُوا هُنَالِكَ لَكَانَتِ الدَّاهِيَةُ عَلَى عِظَمِهَا أَيْسَرَ ، وَلَكِنَّهُمْ تَجَاوَزُوا هَذِهِ الْحُدُودَ كُلَّهَا إِلَى أَنْ نَصَبُوا الْمُحَارَبَةَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، بِاعْتِرَاضِهِمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَادِّعَائِهِمْ عَلَيْهِمَا مِنَ التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ وَمُنَافَاةِ الْعُقُولِ وَفَسَادِ النُّظُمِ مَا هُمْ لَهُ أَهْلٌ .
قَالَ الْعُتْبِيُّ : وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِالطَّعْنِ مُلْحِدُونَ ، وَلَغُوا وَهَجَرُوا ، وَاتَّبَعُوا مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ، بِأَفْهَامٍ كَلَيْلَةٍ ، وَأَبْصَارٍ عَلِيلَةٍ ، وَنَظَرٍ مَدْخُولٍ ، فَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وَعَدَلُوا بِهِ عَنْ سَبِيلِهِ ، ثُمَّ قَضُوا عَلَيْهِ بِالتَّنَاقُضِ وَالِاسْتِحَالَةِ وَاللَّحْنِ ، وَفَسَادِ النَّظْمِ وَالِاخْتِلَافِ ، وَأَدْلَوْا بِذَلِكَ بِعِلَلٍ رُبَّمَا أَمَالَتِ الضَّعِيفَ الْغُمْرَ ، وَالْحَدِيثَ الْغِرَّ ،وَاعْتَرَضَتْ بِالشُّبْهَةِ فِي الْقُلُوبِ ، وَقَدَحَتْ بِالشُّكُوكِ فِي الصُّدُورِ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَ مَا لَحَنُوا إِلَيْهِ عَلَى تَقْرِيرِهِمْ وَتَأْوِيلِهِمْ لَسَبَقَ إِلَى الطَّعْنِ فِيهِ مَنْ لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَجُّ بِالْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ ، وَيَجْعَلُهُ عَلَمَ نَبُّوتِهِ ، وَالدَّلِيلَ عَلَى صِدْقِهِ ، وَيَتَحَدَّاهُمْ فِي مُوَاطِنَ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ، وَهُمُ الْفُصَحَاءُ وَالْبُلَغَاءُ ، وَالْخُطَبَاءُ وَالشُّعَرَاءُ ، وَالْمَخْصُوصُونَ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْأَنَامِ ، وَبِالْأَلْسِنَةِ الْحِدَادِ وَاللَّدَدِ فِي الْخِصَامِ ، مَعَ اللُّبِّ وَالنُّهَى وَأَصَالَةِ الرَّأْيِ . فَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ . وَكَانُوا يَقُولُونَ مَرَّةً : هُوَ سِحْرٌ، وَمَرَّةً : هُوَ شِعْرٌ، وَمَرَّةً : هُوَ قَوْلُ الْكَهَنَةِ، وَمَرَّةً : أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ . وَلَمْ يَحْكِ اللَّهُ عَنْهُمُ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْأَحَادِيثِ وَدَعْوَى التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهَا ، وَحُكِيَ عَنْهُمْ ، لِأَجْلِ ذَلِكَ الْقَدْحُ فِي خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وَهُمُ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، وَاتَّبَعُوهُمْ بِالْحَدْسِ قَالُوا مَا شَانَ ، أَوْ جَرَوْا فِي الطَّعْنِ عَلَى الْحَدِيثِ جَرْيَ مَنْ لَا يَرَى عَلَيْهِ مُحْتَسِبًا فِي الدُّنْيَا وَلَا مُحَاسِبًا فِي الْآخِرَةِ .