تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذَلِكَ الزَّمَانِ ( يَعْنِي أَبَا حَمْزَةَ ) وَفِي زَمَانِنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَمَنْ تَبِعَهُ ، ثُمَّ قَالَ إِسْحَاقُ : لَوْ سَأَلْتَ الْجُهَّالَ عَنِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ لَقَالُوا : جَمَاعَةُ النَّاسِ . وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ عَالِمٌ مُتَمَسِّكٌ بِأَثَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَرِيقِهِ ، فَمَنْ كَانَ مَعَهُ وَتَبِعَهُ فَهُوَ الْجَمَاعَةُ ، ثُمَّ قَالَ إِسْحَاقُ : لَمْ أَسْمَعْ عَالِمًا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً كَانَ أَشَدَّ تَمَسُّكًا بِأَثَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ .

فَانْظُرْ فِي حِكَايَتِهِ تَتَبَيَّنْ غَلَطَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَالِمٌ ، وَهُوَ وَهْمُ الْعَوَامِّ ، لَا فَهْمُ الْعُلَمَاءِ . فَلْيَثْبُتِ الْمُوَفَّقُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ قَدَمَهُ لِئَلَّا يَضِلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ، وَلَا تَوْفِيقَ إِلَّا بِاللَّهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ

فِي بَيَانِ مَعْنَى رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَهِيَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تُجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ .

وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخْبَرَ بِمَا سَيَكُونُ فِي أُمَّتِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ الَّتِي افْتَرَقُوا فِيهَا إِلَى تِلْكَ الْفِرَقِ ، وَأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِمْ أَقْوَامٌ تُدَاخِلُ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ قُلُوبَهُمْ حَتَّى لَا يُمْكِنَ فِي الْعَادَةِ انْفِصَالُهَا عَنْهَا وَتَوْبَتُهُمْ مِنْهَا ، عَلَى حَدِّ مَا يُدَاخِلُ دَاءُ الْكَلْبِ جِسْمَ صَاحِبِهِ فَلَا يَبْقَى مِنْ ذَلِكَ الْجِسْمِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ وَلَا مَفْصِلٌ وَلَا غَيْرُهُمَا إِلَّا دَخَلَهُ ذَلِكَ الدَّاءُ ، وَهُوَ جَرَيَانٌ لَا يَقْبَلُ الْعِلَاجَ وَلَا يَنْفَعُ فِيهِ الدَّوَاءُ ، فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْهَوَى إِذَا دَخَلَ قَلْبَهُ ، وَأُشْرِبَ حُبَّهُ ، لَا تَعْمَلُ فِيهِ الْمَوْعِظَةُ وَلَا يَقْبَلُ الْبُرْهَانَ ، وَلَا يَكْتَرِثُ بِمَنْ خَالَفَهُ .

وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ كَمَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَسِوَاهُمَا ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا حَيْثُ لُقُوا مَطْرُودِينَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، مَحْجُوبِينَ عَنْ كُلِّ لِسَانٍ ، مُبْعَدِينَ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا تَمَادِيًا عَلَى ضَلَالِهِمْ ، وَمُدَاوَمَةً عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا .

المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ٦٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحاديث الفتنص ٦٩٩