تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الخاصة ، فمنهم مبتدع اخترع البدعة وجعلها نصب عينيه ، وبلغ في تقويتها كل مبلغ ، وجعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب والسنة ، ثم تبعه أقوام من نمطه في الفقه والتعصب ، وربما جددوا بدعته وفرعوا عليها وحملوه ما لم يتحمله ، ولكنه إمامهم المقدم وهؤلاء هم المبتدعة حقا ، وهو شيء كبير ( تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ) ، كنفي حكمة الله تعالى ،ونفي إقداره المكلف ، وككونه يكلف ما لا يطاق ، ويفعل سائر القبائح ولا تقبح منه ، وأخواتهن ! ومنها ما هو دون ذلك ، وحقائقها جميعها عند الله تعالى ، ولا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث وسبعين فرقة .

ومن الناس من تبع هؤلاء وناصرهم وقوى سوادهم بالتدريس والتصنيف ، ولكنه عند نفسه راجع إلى الحق ، وقد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه خفي ، ولعله تخيل مصلحة دنيئة ، أوعظم عليه انحطاط نفسه وإيذاؤهم له في عرضه وربما بلغت الأذية إلى نفسه . وعلى الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل ، وتخبط في تصرفاته ، وحسابه على الله سبحانه ، إما أن يحشره مع من أحب بظاهر حاله ، أو يقبل عذره ، وما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك ،لكن شرهم والله كثير ، فلربما لم يقع خبرهم بمكان ، وذلك لأنه لا يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث ، وقد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة ، وليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق ويخفيه . والله المستعان .

ومن الناس من ليس من أهل التحقيق ، ولا هيء للهجوم على الحقائق ، وقد تدرب في كلام الناس ، وعرف أوائل الأبحاث ، وحفظ كثيرا من غثاء ما حصلوه ولكن أرواح الأبحاث بينه وبينها حائل . وقد يكون ذلك لقصور الهمة والاكتفاء و الرضا عن السلف لوقعهم في النفوس . وهؤلاء هم الأكثرون عددا ، والأرذلون قدرا ، فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة ، ولا أدركوا سلامة العامة . فالقسم الأول من الخاصة مبتدعة قطعا . والثاني ظاهره الابتداع ، والثالث له حكم الابتداع .

المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ٦٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحاديث الفتنص ٦٥٩