ولزوم الصَّغار والذلة ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ ، ولما كان نبيُّنا آخر الأنبياء بعثًا ، وكتابه لا يقبل التغيير أسلوبًا ونظمًا ، وقد تَوَلَّى الله تعالى كلامه صيانةً وحفظًا ، وجعل علماء أمته قائمين ببيان مشكله ، وحفظ حروفه ، وإقامة أحكامه ، وحدوده ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين )).ويروى عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل )). ولَمّا كان أمر هذه الأمّة كذلك ؛ اكتفى بعلمائها عمَّا كان من توالي الأنبياء هنالك .
وقوله : (( وإنه لا نبي بعدي )) ؛ هذا الشيء عامٌ في الأنبياء والرُّسل ؛ لأن الرَّسول نبيٌّ وزيادة . وقد جاء نصًّا في كتاب الترمذي قوله : (( لا نبي بعدى ، ولا رسول )) . وقد قال الله تعالى : ﴿ ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴾ ، ومن أسمائه في الكتب المتقدمة ، وفيما أطلقته هذه الأمَّة : خاتم الأنبياء . ومن أسمائه : العاقب ، والمقفي. فالعاقب : الذى يَعْقُبُ الأنبياءَ ، والْمُقَفَّي : الذى يقفوهم ؛ أى : يكون بعدهم .
وعلى الجملة : فهو أمرٌ مجمع عليه ، معلوم من دين هذه الأمَّة ،
فمن ادَّعى أنَّ بَعْدَهُ نبيّ أو رسول ؛ فإن كان مُسِرًّا لذلك واطّلع عليه بالشهادة المعتبرة قُتل قِتْلة زنديق . فإن صرَّح بذلك فهو مرتد ، يُستتاب ، فإن تاب وإلا قُتِل قِتْلة مُرتدٍّ .
وقوله : (( وستكون خلفاء فتكثر )) ؛ هذا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إخبار عن غيب وقع على نحو ما أخبر عنه ، ووُجد كذلك في غير ما وقت ؛ فمن ذلك : مبايعة الناس لابن الزبير بمكة ، ولمروان بالشام ، ولبني العباس بالعراق ، ولبني مروان بالأندلس ، ولبني عبيد بمصر ، ولبني ... باليمن ، ثم لبني عبد المؤمن بالمغرب .
وقوله : (( فُوا ببيعة الأوّل فالأوّل )) ؛ دليل على وجوب الوفاء ببيعة الأول . وسكت في هذا الحديث عمَّا يحكم به على الآخر . وقد نصَّ عليه في الحديث الآتي حيث قال : (( فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر )). وفي رواية : (( فاضربوه بالسيف كائنًا من كان )). وهذا الحكم مجمعٌ عليه عند تقارب الأقطار ، وإمكان