تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْآيَةِ يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَاتِ عَلَيْهَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ الْعَفْوَ عَفْوَانِ: فَعَفْوٌ مِنْهُمَا هُوَ الْعَفْوُ الَّذِي ذُكِرَ، وَعَفْوٌ مِنْهُمَا هُوَ رَفْعُ الْعِبَادَةِ فِيمَا يُرْفَعُ فِيهِ فَيُعَادُ لَا عِبَادَةَ فِيهِ، يَجِبُ بِالْقِيَامِ بِهَا الثَّوَابُ، وَيَسْتَحِقُّ بِالتَّرْكِ لَهَا الْعِقَابَ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَدْ عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ " . لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ شَيْئًا قَدْ كَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَعَفَا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ , وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّرْكِ لَهُمْ إيَّاهُمْ بِلَا حَقٍّ عَلَيْهِمْ فِيهِمْ، وَلَا عِبَادَةٍ تَعَبَّدُوا بِهَا فِيهِمْ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَدَعُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا، فَلَمَّا بَعَثَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، فَمَا حَرَّمَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا أَحَلَّ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ " . فَكَانَ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: " وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ " لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ الْعَفْوَ عَنْ عُقُوبَاتِ ذُنُوبٍ كَانَتْ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ , وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ بِهِ تَرْكَ مَا عُفِيَ لَهُمْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ بِلَا عِبَادَةٍ تَعَبَّدَهُمْ بِهَا يُوجِبُ إتْيَانُهُمْ بِهَا لَهُمُ الثَّوَابَ، وَيُوجِبُ تَرْكُهُمُ الْإِتْيَانَ بِهَا عَلَيْهِمُ الْعِقَابَ . فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ، عَفْوُهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَاهَا عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ [النساء: 99] . وَقَوْلُهُ: ﴿ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ [النساء: 99]، هُوَ عَلَى إيجَابِهِ الْعَفْوَ مِنْهُ لَهُمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْمَقَامِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ حِيلَةٌ فِي التَّحَوُّلِ عَنْهُ , وَفِي الِانْتِقَالِ مِنْهُ إلَى ضِدِّهِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَحْمُودَةِ، فَرَفَعَ اللهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَتَعَبَّدْهُمْ فِيهِ بِمَا تَعَبَّدَ بِهِ مَنْ سِوَاهُمْ فِيهِ، مِنْ قَوْلِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ، لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا " . وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا . وَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي وَعِيدٍ غَلِيظٍ، فَرَفَعَ اللهُ مِثْلَهُ عَنِ الْمُقِيمِينَ فِي تِلْكَ الْأَمْكِنَةِ بِلَا اسْتِطَاعَةٍ مِنْهُمُ الْهَرَبَ عَنْهَا وَالتَّحَوُّلَ مِنْهَا إلَى الْأَمْكِنَةِ الْمَحْمُودَةِ، وَرَفَعَ عَنْهُمُ التَّعَبُّدَ فِي ذَلِكَ بِهَذَا , وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ فِي ذَلِكَ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ (1) .

(1) - شرح مشكل الآثار - (8 / 450) (3377 ) صحيح

المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ٢١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحاديث الفتنص ٢١٨