تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إِنَّ الزُّهْدَ الْمَشْرُوعَ الَّذِي بِهِ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ هُوَ عَدَمُ الرَّغْبَةِ فِيمَا لاَ يَنْفَعُ مِنْ فُضُول الْمُبَاحِ ، فَتَرْكُ فُضُول الْمُبَاحِ الَّذِي لاَ يَنْفَعُ فِي الدِّينِ زُهْدٌ وَلَيْسَ بِوَرَعٍ ، وَلاَ رَيْبَ أَنَّ الْحِرْصَ وَالرَّغْبَةَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الدَّارِ الدُّنْيَا مِنَ الْمَال وَالسُّلْطَانِ مُضِرٌّ ، كَمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ قَال : قَال رَسُول اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَال وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ . فَذَمَّ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْحِرْصَ عَلَى الْمَال وَالشَّرَفِ ، وَهُوَ الرِّيَاسَةُ وَالسُّلْطَانُ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الدِّينَ مِثْل أَوْ فَوْقَ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ الْجَائِعَيْنِ لِزَرِيبَةِ الْغَنَمِ .

وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحِرْصَ إِنَّمَا ذُمَّ لأَِنَّهُ يُفْسِدُ الدِّينَ الَّذِي هُوَ الإِْيمَانُ وَالْعَمَل الصَّالِحُ ، فَكَانَ تَرْكُ هَذَا الْحِرْصِ لِصَالِحِ الْعَمَل . وَهَذَانِ هُمَا الْمَذْكُورَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ﴾ ﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ ، وَهُمَا اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ حَيْثُ افْتَتَحَهَا بِأَمْرِ فِرْعَوْنَ ، وَذَكَرَ عُلُوَّهُ فِي الأَْرْضِ ، وَهُوَ الرِّيَاسَةُ وَالشَّرَفُ وَالسُّلْطَانُ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي آخِرِهَا قَارُونَ وَمَا أُوتِيَهُ مِنَ الأَْمْوَال ، وَذَكَرَ عَاقِبَةَ سُلْطَانِ هَذَا وَعَاقِبَةَ مَال هَذَا ، ثُمَّ قَال : ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَْرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، كَحَال فِرْعَوْنَ وَقَارُونَ ، فَإِنَّ جَمْعَ الأَْمْوَال مِنْ غَيْرِ إِنْفَاقِهَا فِي مَوَاضِعِهَا الْمَأْمُورِ بِهَا ، وَأَخْذَهَا مِنْ غَيْرِ وَجْهِهَا هُوَ مِنْ نَوْعِ الْفَسَادِ .

وَكَذَلِكَ الإِْنْسَانُ إِذَا اخْتَارَ السُّلْطَانَ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ الْعَدْل وَالْحَقِّ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِفَسَادٍ وَظُلْمٍ ، وَأَمَّا نَفْسُ وُجُودِ السُّلْطَانِ وَالْمَال الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ وَالْقِيَامُ بِالْحَقِّ وَالدَّارِ الآْخِرَةِ ، وَيُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَلاَ يَفْتُرُ الْقَلْبُ عَنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ

المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ١١٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحاديث الفتنص ١١٩٥