تَمَّامٍ : إِنَّ الرَّبِيعَ أَوَّلُ الزَّمَانِ وَهَذِهِ صِفَةُ زَمَنِ النُّورِ . وَأَنْشَدَنَا ابْنُ عَرَفَةَ بَيْتَيْنِ : تَوَاصُلُنَا عَلَى الْأَيَّامِ بَاقٍ وَلَكِنْ هَجْرُنَا مَطَرُ الرَّبِيعِ يَرُوعُكَ صَوْبُهُ لَكِنْ تَرَاهُ عَلَى رَوَعَاتِهِ دَانِي النُّزُوعِ وَهَذَا نَعْتُ الْمَطَرِ فِي آذَارَ ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا لَا تَقُومُ فِي مِثْلِهِ حُجَّةٌ مِنْ شِعْرِ الْمُتَأَخِّرِينَ ، لِأَنَّ أَصْحَابَهُ أَعْلَامُ الدِّرَايَةِ ، وَسَوَاءٌ قَالُوا ذَلِكَ قَوْلًا أَوْ أَتَوْا بِهِ شِعْرًا ، وَأَحْسِبُهُ نَقَلَ اسْمَ زَمَنِ النَّوْرِ إِلَى اسْمِ الرَّبِيعِ لِأَنَّ آثَارَ الْمَطَرِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَيَاةً لِلْأَرْضِ وَسَبَبًا لِلنَّشْرِ تَظْهَرُ فِيهِ ، وَيَدُلُّكَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ، وَلَيْسَ اخْضِرَارُهَا عُقَيْبَ يَوْمٍ يُمْطَرُ فِيهِ ، إِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا بِمَكَّةَ مَوْجُودٌ ، تَخْضَرُّ الْأَرْضُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ . وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي مَعْنَى الْمَطَرِ بِعَيْنِهِ قَوْلُ الشَّاعِرِ : خَلِيلَيَّ أَمْسَى حُبُّ خَرْقَاءَ عَامِدِي فَفِي الْقَلْبِ مِنِّي زَفْرَةٌ وَصُدُوعُ وَلَوْ جَاوَرَتْنَا الْعَامَ خَرْقَاءُ لَمْ نَبُلْ عَلَى جَدْبِنَا إِلَّا يُصَوبُ رَبِيعُ وَقَالَ آخَرُ : إِذَا غِبْتَ عَنَّا غَابَ رَبِيعُنَا وَنَسْقِي الْغَمَامَ الْغَدَقَ حِينَ تَؤُوبُ وَقَالَ أَبُو طَالِبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْبَيْتَ : وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ رَبِيعُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَأَنْشَدَنَا الْحَامِضُ : ثِمَالُ الْيَتَامَى وَأَنْشَدَنَا وَكِيعٌ لِصَمُوتٍ الْأَعْرَابِيَّةِ . قَالَ وَرَوَاهُ الْأَصْمَعِيُّ : فَكِّهْ إِلَى جَنْبِ الْخُوَانِ إِذَا سَرَتْ نَكْبَاءُ تَقْطَعُ مَنْبِتَ الْأَطَنَابِ وَأَبُو الْيَتَامَى يُنْبِتُونَ فِنَاءَهُ نَبْتَ الرَّبِيعِ بِكَالِئٍ مِعْشَابِ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ لَمَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ " . قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : هَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْكَلَامِ فِي تَحْذِيرِ الدُّنْيَا ، وَالِاعْتِزَازِ بِزَهْرَتِهَا ، وَالرُّكُونِ إِلَى غَضَارَتِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَاشِيَةَ يَرُوقُهَا نَبْتُ الرَّبِيعِ ، فَتَأْكُلُ مِنْهُ بِأَعْيُنِهَا ، فَرُبَّمَا تَفَتَّقَتْ سِمَنًا فَهَلَكَتْ . يَقُولُ : فَمَنْ أَعْطَى كُفُؤًا وَرَفَاهِيَةَ عَيْشٍ فِي دُنْيَاهُ فَلْيَقْتَصِدْ وَلَا يَنْهَمِكْ فِيهَا فَتُلْهِيَهُ عَنْ الِاحْتِزَازِ لِآخِرَتِهِ فَيَهْلِكَ ، كَمَا أَنَّ الْمَاشِيَةَ تُلْهِيهَا زُهْرَةُ النَّبَاتِ فَتَأْكُلُ حَتَّى تَهْلِكَ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ . وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ يَذْكُرُ الدُّنْيَا كَيْفَ يَحْلُو طَعْمُ شَيْءٍ زَائِلٍ رُبَّ حُلْوٍ فِي مَذَاقِ الْعَيْشِ مُرُّ وَالْحَبَطُ : انْتِفَاخُ بَطْنِ الدَّابَّةِ مِنَ الِامْتِلَاءِ ، أَوْ مِنَ الْمَرَضِ . يُقَالُ : حَبَطَ يَحْبَطَ حَبَطًا وَيُقَالُ :
المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ١١٦٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في أحاديث الفتنص ١١٦٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي