قلت: وهذا قول قوي من حيث الدليل، وإن كان القول الأول أقوى من حيث اللغة.
ويشهد لما قاله القاري ما تقدم في ذكر فتنة الدهيماء : أنها لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة . وقال فيها: حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه ؛ فهذا يدل على أن فتنة الدهيماء تنظف المؤمنين من أهل الفتن والريب والنفاق، لا أنهم يستأصلون بالكلية، وفتنة الدهيماء هي أعظم فتنة تكون قبل فتنة الدجال .
والدليل على أن الفتن لا تستوعب العرب هلاكا ما رواه: مسلم في "صحيحه"، عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ أَخْبَرَتْنِى أُمُّ شَرِيكٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « لَيَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ فِى الْجِبَالِ ». قَالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ قَالَ « هُمْ قَلِيلٌ ». (1)
ويدل على ذلك أيضا ما في "الصحيحين" عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِى تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلاَثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ فِيهِمْ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ « هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِى عَلَى الدَّجَّالِ » (2) .
وبنو تميم قبيلة كبيرة من العرب.
ويدلُّ على ذلك أيضا ما رواه ابن حبان في صحيحه" عَنْ ذِي مِخْبَرِ ابْنِ أَخِي النَّجَاشِيِّ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : تُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا حَتَّى تَغْزُوا أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِهِمْ فَتُنْصَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَنْصَرِفُونَ حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ ، فَيَقُولُ قَائِلٌ مِنَ الرُّومِ : غَلَبَ الصَّلِيبُ ، وَيَقُولُ قَائِلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ : بَلِ اللَّهُ غَلَبَ فَيَثُورُ الْمُسْلِمُ إِلَى صَلِيبِهِمْ وَهُوَ مِنْهُ غَيْرُ بَعِيدٍ فَيَدُقُّهُ ، وَتَثُورُ الرُّومُ إِلَى كَاسِرِ صَلِيبِهِمْ ، فَيَضْرِبُونَ عُنُقَهُ ، وَيَثُورُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَسْلِحَتِهِمْ فَيَقْتَتِلُونَ ، فَيُكْرِمُ اللَّهُ تِلْكَ
(1) - صحيح مسلم (7580 )
(2) - صحيح البخارى(2543 ) ومسلم (6612 )