قلت : أمَّا قصرُ الحديث على أشخاص معدودين، في كل مائة سنة واحد منهم؛ فهو بعيد جدا، والحديث لا يدلُّ على ذلك؛ لأن لفظة (من) يراد بها الواحد ويراد بها الجماعة، وعلى هذا فحمل الحديث على الجماعة القائمين بنشر العلم وتجديد الدين أولى من حمله على واحد بعد واحد منهم.
ويؤيد هذا ما رواه الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِى مِنْ سُنَّتِى » (1) .
وفي رواية عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ " . قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ : " الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي مِنْ بَعْدِي ، وَيُعَلِّمُونَهَا عِبَادَ اللَّهِ " شَرَفُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ (2)
وفي رواية أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي " الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ لِلْخَطِيِبِ الْبَغْدَادِيِّ (3)
(1) - سنن الترمذى- المكنز - (2839 ) والإتحاف 1/265 قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.قلت : وهو حسن لغيره
يأرز : ينضم ويجتمع -الأروية : الشاة الواحدة من شياه الجبل والجمع أروى
قال المباركفوري في التحفة 7/320 : إن الدين في آخر الزمان عند ظهور الفتن واستيلاء الكفرة والظلمة على بلاد أهل الاسلام يعود إلى الحجاز كما بدأ منه إن الدين بدأ بالهمز هو الصحيح غريبا أي كالغريب أو حال ويرجع غريبا أي كما بدأ يعني أهل الدين في الأول كانوا غرباء ينكرهم الناس ولا يخالطونهم هكذا في الآخر فطوبى للغرباء أي أولاً وآخراً الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي أي يعملون بها ويظهرونها بقدر طاقتهم 0
(2) - شَرَفُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ(32 ) حسن لغيره
(3) - الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ لِلْخَطِيِبِ الْبَغْدَادِيِّ (90 )