تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , وَكَانَ قَدْ وَرَدَ عَنْهُ الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَا قَبْلُ : مِنْ " أَنَّ مِنْ أُمَّتِهِ طَائِفَةً عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرَةً عَلَى مَنْ نَاوَأَهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ " , وَ " أَنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ " , بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ , وَكَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ تُوصَفَ الطَّائِفَةُ الَّتِي هِيَ عَلَى الْحَقِّ بِأَنَّهَا شِرَارُ النَّاسِ , وَأَنَّهَا لَا تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُوَحِّدُهُ , عُلِمَ أَنَّ الْمَوْصُوفِينَ بِأَنَّهُمْ شِرَارُ النَّاسِ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السَّاعَةُ غَيْرُ الْمَوْصُوفِينَ بِأَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ مُقِيمُونَ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ , إِذْ كَانَتْ صِفَاتُهُمْ مُخْتَلِفَةً اخْتِلَافًا لَا يُشْكِلُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّائِفَةَ الَّتِي وَصَفَهَا - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّهَا عَلَى الْحَقِّ مُقِيمَةٌ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الشِّرَارِ الَّذِي أَخْبَرَ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ إِلَّا عَلَيْهِمْ . وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو أُمَامَةَ فِي خَبَرِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ أَنَّهُ قَالَ : " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ , لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ , لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ , إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ , وَهُمْ كَالْإِنَاءِ بَيْنَ الْأَكَلَةِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَأَيْنَ هُمْ ؟ قَالَ : " بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ " , فَبَيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذَا الْخَبَرِ خُصُوصِيَّةَ سَائِرِ الْأَخْبَارِ الَّتِي وَصَفْنَا أَنَّهَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْعُمُومِ , بِوَصْفِهِ الطَّائِفَةَ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا أَنَّهَا عَلَى الْحَقِّ مُقِيمَةٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ , أَنَّهَا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأكْنَافِهِ , دُونَ سَائِرِ الْبِقَاعِ غَيْرِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا قَبْلُ . فَقَدِ اتَّضَحَ إِذًا مَا وَصَفْنَا وَجْهُ صِحَّةِ الْخَبَرَيْنِ , وَأَنْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا دَافِعًا صَاحِبَهُ.

--------------------

الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ

فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - : " لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ " يَعْنِي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالَّأْوَاءِ الشِّدَّةَ , إِمَّا فِي الْمَعِيشَةِ مِنْ جَدْبٍ وَقَحْطٍ أَوْ حِصَارٍ , وَإِمَّا فِي الْأَبْدَانِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْعِلَلِ أَوِ الْجِرَاحِ . يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ : أَصَابَتِ الْقَوْمَ لَأْوَاءُ ، وَلَوْلَاءَ ، وَشَصَاصَاءُ , وَذَلِكَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْجَدْبُ . وَكَذَلِكَ يُقَالُ أَيْضًا : أَصَابَتْهُمْ لَزْبَةٌ , وَأَزْمَةٌ , وَحَطْمَةٌ , وَسِنَةٌ , كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ , وَذَلِكَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ شِدَّةٌ وَجَدْبٌ , يُقَالُ مِنْهُ : أَسْنَتِ الْقَوْمُ , وَأَجْدَبُوا , وَأَمْحَلُوا . وَمِنَ اللَّأْوَاءِ الْخَبَرُ الْآخَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ

المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ١١٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحاديث الفتنص ١١٠١