تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَهَذِهِ كلها صِفَاتُ الْمَخْلُوقِينَ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ، لِأَنَّ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ ، كَانَ وَلَا عِلْمَ ، خَلَقُهُ اللَّهُ جَاهِلًا ثُمَّ عَلَّمَهُ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ، وَكَانَ وَلَا كَلَامَ حَتَّى يُطْلِقَ اللَّهُ لِسَانَهُ ، وَكَانَ وَلَا قُوَّةَ وَلَا عِزَّةَ ، وَلَا سُلْطَانَ حَتَّى يُقَوِّيَهُ اللَّهُ وَيُعِزَّهُ وَيُسَلِّطَهُ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا صِفَاتُ الْمَخْلُوقِينَ وَكُلُّ مَنْ حَدَثَتْ صِفَاتُهُ ، فَمُحْدَثٌ ذَاتُهُ ، وَمَنْ حَدَثَ ذَاتُهُ وَصِفَتُهُ ، فَإِلَى فَنَاءٍ حَيَاتُهُ ، وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ، ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّ إِذَا بَطَلَتْ حُجَّتُهُ فِيمَا ادَّعَاهُ ، ادَّعَى أَمْرًا آخَرَ فَقَالَ : أَنَا أَجِدُ فِي الْكِتَابِ آيَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ ، فَقِيلَ لَهُ : أَيَّةُ آيَةٍ هِيَ ؟ قَالَ : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ مَخْلُوقٌ ؟ فَوَهِمَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَالْأَحْدَاثِ وَأَهْلِ الْغَبَاوَةِ وَمَوَّهَ عَلَيْهِمْ ، فَيُقَالُ لَهُ : إِنَّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ بِهِ عَالِمًا لَا يَكُونُ مُحْدِثًا ، فَعِلْمُهُ أَزَلِيٌّ كَمَا أَنَّهُ هُوَ أَزَلِيٌّ ، وَفِعْلُهُ مُضْمَرٌ فِي عِلْمِهِ ، وإِنَّمَا يَكُونُ مُحْدِثًا مَا لَمْ يَكُنْ بِهِ عَالِمًا حَتَّى عَلِمَهُ ، فَيَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِجَمِيعِ مَا فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْقُرْآنُ وَقَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ جِبْرِيلُ وَيَنْزِلَ بِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ قَالَ : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ وَقَالَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ . يَقُولُ : كَانَ إِبْلِيسُ فِي عِلْمِ اللَّهِ كَافِرًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ ، ثُمَّ أَوْحَى بِمَا قَدْ كَانَ عَلَّمَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى فَنَفَى عَنْهُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْوَحْيِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ مَا يَأْتِيهُمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ، أَرَادَ : مُحْدَثًا عِلْمُهُ ، وَخَبَرُهُ ، وَزَجْرُهُ ، وَمَوْعِظَتُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ : أَنَّ عِلْمَكَ يَا مُحَمَّدُ وَمَعْرِفَتَكَ مُحْدَثٌ بِمَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ : أَنَّ نُزُولَ الْقُرْآنِ عَلَيْكَ يُحْدِثُ لَكَ وَلِمَنْ سَمِعَهُ عِلْمًا وَذِكْرًا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَهُ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ . وَقَالَ تَعَالَى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ . وَقَالَ : وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الذِّكْرَ الْمُحْدِثَ هُوَ مَا يحْدثُ مِنْ سَامِعِيهِ وَمِمَّنْ عَلِمَهُ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ ، لَا أَنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ عِنْدَ اللَّهِ ، وَلَا أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا

المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ١٠١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحاديث الفتنص ١٠١٦