وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ . فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ لَا نَفْسَ لَهُ ، فَقَدْ أَكْذَبَكَ الْقُرْآنُ وَرَدَّ عَلَيْكَ قَوْلَكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، وَقَالَ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ، وَقَالَ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ، وَقَالَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ عِيسَى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ . فَقَدْ عَلِمَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ حَقٌّ ، وَمَا قَالَهُ فِيهِ حَقٌّ ، وَأَنَّ لِلَّهِ نَفْسًا ، وَأَنَّ نَفْسَهُ لَا تَمُوتُ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ لَا تَدْخُلُ فِي هَذَا نَفْسُ اللَّهِ . وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ كَلَامُهُ مِنَ الْكَلَامِ الْمَخْلُوقِ ، كَمَا تَخْرُجُ نَفْسُهُ مِنَ الْأَنْفُسِ الَّتِي تَمُوتُ ، وَقَدْ فَهِمَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَعَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ ، وَنَفَسَ اللَّهِ ، وَعَمَلَ اللَّهِ ، وَقُدْرَةَ اللَّهِ ، وَعِزَّةَ اللَّهِ ، وَسُلْطَانَ اللَّهِ ، وَعَظَمَةَ اللَّهِ ، وَحِلْمَ اللَّهِ ، وَعَفْوَ اللَّهِ ، وَرِفْقَ اللَّهِ ، وَكُلَّ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ أَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ ، وَأَنَّهَا كُلَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِأَنَّهَا صِفَاتُ الْخَالِقِ وَمِنَ الْخَالِقِ ، فَلَيْسَ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، لَا كَلَامُهُ ، وَلَا عِزَّتُهُ ، وَلَا قُدْرَتُهُ ، وَلَا سُلْطَانُهُ ، وَلَا عَظَمَتُهُ ، وَلَا جُودُهُ ، وَلَا كَرَمُهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ بِقَوْلِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ إِلَهًا وَاحِدًا ، وَهَذِهِ صِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ بِقِدَمِهِ ، أَزَلِيَّةٌ بِأَزَلِيَّتِهِ ، دَائِمَةٌ بِدَوَامِهِ ، بَاقِيَةٌ بِبَقَائِهِ ، لَمْ يَخْلُ رَبُّنَا مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَإِنَّمَا أَبْطَلَ الْجَهْمِيُّ صِفَاتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ إِبْطَالَهُ . وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ اعْتِقَادُهُ فِي إِثْبَاتِ الْإِيمَانِ بِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ آنِيَّتَهُ لِيَكُونَ بِذَلِكَ مُبَايِنًا لِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ صَانِعًا . الثَّانِي : أَنْ يَعْتَقِدَ وَحْدَانِيَّتَهُ ، لِيَكُونَ مُبَايِنًا بِذَلِكَ مَذَاهِبَ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِالصَّانِعِ وَأَشْرَكُوا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَعْتَقِدَهُ مَوْصُوفًا بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَسَائِرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ ، إِذْ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُقَرِّبُهُ وَيُوَحِّدُهُ بِالْقَوْلِ الْمُطْلَقِ قَدْ يُلْحِدُ فِي صِفَاتِهِ ، فَيَكُونُ إِلْحَادُهُ فِي صِفَاتِهِ قَادِحًا فِي تَوْحِيدِهِ ، وَلِأَنَّا نَجِدُ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ خَاطَبَ عِبَادَهُ بِدُعَائِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَالْإِيمَانِ بِهَا ، فَأَمَّا دُعَاؤُهُ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِآنِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ ، فَلَسْنَا نَذْكُرُ هَذَا هَاهُنَا لِطُولِهِ وَسَعَةِ الْكَلَامِ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْجَهْمِيَّ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ الْإِقْرَارَ بِهِمَا وَإِنْ كَانَ جَحْدُهُ لِلصِّفَاتِ قَدْ أَبْطَلَ دَعْوَاهُ لَهُمَا . وَأَمَّا
المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ١٠١١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في أحاديث الفتنص ١٠١١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي