والتنديد بكتمان ما أنزل الله من الكتاب كان المقصود به أولاً أهل الكتاب . ولكن مدلول النص العام ينطبق على أهل كل ملة ، يكتمون الحق الذي يعلمونه ، ويشترون به ثمناً قليلاً . إما هو النفع الخاص الذي يحرصون عليه بكتمانهم للحق ، والمصالح الخاصة التي يتحرونها بهذا الكتمان ، ويخشون عليها من البيان . وإما هو الدنيا كلها - وهي ثمن قليل حين تقاس إلى ما يخسرونه من رضى الله ، ومن ثواب الآخرة .وفي جو الطعام ما حرم منه وما حلل يقول القرآن عن هؤلاء : ﴿ ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾ . .
تنسيقاً للمشهد في السياق . وكأنما هذا الذي يأكلونه من ثمن الكتمان والبهتان نار في بطونهم! وكأنما هم يأكلون النار! وإنها لحقيقة حين يصيرون إلى النار في الآخرة ، فإذا هي لهم لباس ، وإذا هي لهم طعام!
وجزاء ما كتموا من آيات الله أن يهملهم الله يوم القيامة ، ويدعهم في مهانة وازدراء والتعبير القرآني عن هذا الإهمال وهذه المهانة وهذا الازدراء هو قوله : ﴿ لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ﴾.
لتجسيم الإهمال في صورة قريبة لحس البشر وإدراكهم . . لا كلام ولا اهتمام ولا تطهير ولا غفران . . ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ . .
وتعبير آخر مصور موح : ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة ﴾ . .
فكأنما هي صفقة يدفعون فيها الهدى ويقبضون الضلالة! ويؤدون المغفرة ويأخذون فيها العذاب . . فما أخسرها من صفقة وأغباها! ويا لسوء ما ابتاعوا وما اختاروا! وإنها لحقيقة . فقد كان الهدى مبذولاً لهم فتركوه وأخذوا الضلالة .
وكانت المغفرة متاحة لهم فتركوها واختاروا العذاب . .
﴿ فما أصبرهم على النار! ﴾ . .
فيا لطول صبرهم على النار ، التي اختاروها اختياراً ، وقصدوا إليها قصداً .
فيا للتهكم الساخر من طول صبرهم على النار!