وهذا المعنى منتفٍ في الأنصار ؛ فإنهم لم يقتل أحداً من أقاربهم ، ولهم الشوكة ، ولم يقتل من بنى تيم ولا عدى ولا كثير من القبائل أحدا ، والقبائل التي قتل منها ، كبنى عبد مناف ، كانت تواليه ، وتختار ولايته ، لأنه إليها أقرب . فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نص على ولايته ، أو كان هو الأفضل المستحق لها ، لم يكن هذا مما يخفى عليهم ، وعلمهم بذلك يوجب انبعاث إرادتهم إلى ولايته ، إذا لم يكن هناك صارف يمنع ، والأسباب كانت مساعدة لهذا الداعى ، ولا معارض لها ولا صارف أصلا .
ولو قُدِّر أن الصارف كان في نفر قليل ، فجمهور المسلمين لم يكن لهم فيها صارف يصرفهم عنه ، بل هو قادرون على ولايته . ولو قالت الأنصار : علىُّ هو أحق بها من سعد ومن أبى بكر ما أمكن أولئك النفر من المهاجرين أن يدافعوهم ، وقام أكثر الناس مع علىّ ، لاسيما وكان جمهور الذين في قلوبهم مرض يبغضون عمر لشدته عليهم ، وبغض الكفار والمنافقين لعمر أعظم من بغضهم لعلى بما لا نسبة بينهما ، بل لم يعرف أن علياً كان يبغضه الكفّار والمنافقون ، إلا كما يبغضون أمثاله . بخلاف عمر ، فإنه كان شديدا عليهم ، وكان من القياس أن ينفروا عن جهة فيها عمر .
ولهذا لما استخلفه أبو بكر ، كره خلافته طائفة ، حتى قال له طلحة : ماذا تقول لربك إذا وليت علينا فظا غليظا ؟ فقال : أبا لله تخوفنى ؟ أقول : وليت عليهم خير أهلك .
فإذا كان أهل الحق مع علىّ ، وأهل الباطل مع علىّ ، فمن الذي يغلبه إذا كان الحق معه ؟ وهب أنهم إذا قاموا لم يغلبوا ، أما كانت الدواعى المعروفة في مثل ذلك توجب أن يجرى في ذلك قيل وقال ونوع من الجدال ؟ أوليس ذلك أولى بالكلام فيه من الكلام في ولاية سعد ؟ فإذا كانت الأنصار بشبهة لا أصل لها طمعوا أن يتأمر سعد ، فمن يكون فيهم المحق ؟