فلما رأى أن ذلك الأمر قد أستقر في أذهان أتباعه واستحكمت هذه العقيدة في نفوس أشياعه ألقى إلى بعض هؤلاء ممن يعتمد عليه أن الأمير وصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن النبي عليه الصلاة والسلام أستخلفه بنص صريح ، وهو قوله تعالى ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين أمنوا ﴾ الآية ، ولكن الصحابة قد ضيعوا وصيته - صلى الله عليه وسلم - وغلبوا الأمير بالمكر والزور وظلموه فعصوا الله ورسوله في ذلك وأرتدوا عن الدين – إلا القليل منهم – محبة في الدنيا وطمعاً في زخارفها . وأستدل على ذلك بما وقع بين فاطمة رضي الله تعالى عنها وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنه في مسألة فدك ( 1 ) إلى أن أنتهى الأمر إلى الصلح ثم أوصى أتباعه بكتمان هذا الأمر وعدم نسبته إليه وقال : لا تظهروا للناس أنكم أتباعي لأن غرضي إظهار الحق والهداية إلى الطريق المستقيم دون الجاه والشهرة عند الناس . فمن تلك الوسوسة ظهر القيل والقال ووقع بين المسلمين التفرق والجدال ، وأنتشر سب الصحابة الكرام وذاع الطعن فيهم من أولئك الطغام ، حتى إن الأمير كرم الله تعالى وجهه قد خطب فوق المنبر خطباً في ذم هؤلاء القوم وأظهر البراءة منهم وأوعد بعضهم بالضرب والجلد . فلما رأى ابن سبأ أن سهمه هذا أيضاً قد اصاب هدفاً وأختلت بذلك عقائد أكثر المسلمين أختار أخص الخواص من أتباعه وألقى إليهم أمراً أدهى من الأول وأمر ، وذلك بعد أن ...
----------------------
( 1 ) أنظر لمسألة فدك وميراث الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعليقاتنا على كتاب ( العواصم من القواصم ) ص 48 – 50 .