لكن يظهر لي أن فاعل " قال يا رسول الله استنصرت الله إلخ " هو كعب بن مرة راوي هذا الخبر لما أخرجه أحمد أيضا والحاكم من طريق شعبة أيضا عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد إلى كعب قال دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مضر . فأتيته فقلت : يا رسول الله ، إن الله قد نصرك وأعطاك واستجاب لك ، وإن قومك قد هلكوا الحديث ، فعلى هذا كأن أبا سفيان وكعبا حضرا جميعا ، فكلمه أبو سفيان بشيء وكعب بشيء ، فدل ذلك على اتحاد قصتهما ، وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك من قوله إنك لجريء ، ومن قوله فقال : اللهم حوالينا ولا علينا وغير ذلك . وظهر بذلك أن أسباط بن نصر لم يغلط في الزيادة المذكورة ولم ينتقل من حديث إلى حديث ، وسياق كعب بن مرة يشعر بأن ذلك وقع في المدينة بقوله : استنصرت الله فنصرك " لأن كلا منهما كان بالمدينة بعد الهجرة ، لكن لا يلزم من ذلك اتحاد هذه القصة مع قصة أنس ، بل قصة أنس واقعة أخرى ؛ لأن في رواية أنس " فلم يزل على المنبر حتى مطروا " وفي هذه " فما كان إلا جمعة أو نحوها حتى مطروا " والسائل في هذه القصة غير السائل في تلك فهما قصتان وقع في كل منهما طلب الدعاء بالاستسقاء ثم طلب الدعاء بالاستصحاء ، وإن ثبت أن كعب بن مرة أسلم قبل الهجرة حمل قوله " استنصرت الله فنصرك " على النصر بإجابة دعائه عليهم ، [ ص: 595 ] وزال الإشكال المتقدم والله أعلم . وإني ليكثر تعجبي من كثرة إقدام الدمياطي على تغليط ما في الصحيح بمجرد التوهم ، مع إمكان التصويب بمزيد التأمل ، والتنقيب عن الطرق ، وجمع ما ورد في الباب من اختلاف الألفاظ ، فلله الحمد على ما علم وأنعم " أهـ . فلماذا هذا الوهم أيها الميلاني تعست وخاب مسعاك .
وللحديث تتمة بإذن الله تعالى .