﴿فَقَالَ: هُوَ حُجَّتُنَا؛ لأَنَّ النَّهْيَ عَمَّا لاَ يَكُونُ مُحَالٌ، كَنَهْيِ الأَعْمَى عَنْ النَّظَرِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ لَمَا نَهَى عَنْهُ﴾.
إذاً: عند الأحناف أن الشارع إذا نهى عن الشيء دل على أنه صحيح؛ لأنه لا يُنهى عن الشيء إلا إذا أمكن إيقاعه، فإذا أمكن إيقاعه حينئذٍ كان صحيحاً، فيكون النهي حينئذٍ لأمر خارج، لكن هذا فاسد.
أولاً: لأن التعليل عليل .. يعني: فيه تناقض.
ثانياً: مصادم لما سبق .. بل هو الأول أنه مصادمٌ لما سبق، جاء الحديث نصاً على أن كل ما أوقعه المكلَّف على خلاف ما عليه الشرع فهو مردودٌ عليه بدون تفصيل وبدون استثناء، دل على ذلك النكرة في سياق .. ؟؟؟
<<من عمل عملاً>> أطلق هنا.
سواء كانت الجهة منفكة أو غير منفكة كما يزعمون قال: << فهو ردٌ>>.
أي: العمل الذي أوقعه مخالفاً للشرع فهو مردود عليه مطلقاً دون تفصيل.
فحينئذٍ التخصيص يحتاج إلى دليل وليس عندهم دليل، ثم فهمُ الصحابة دالٌ على العموم فلا تفصيل البتة. فقولهم أن النهي يقتضي صحة الفساد صحة الشيء وفساد وصفه، فحينئذٍ نقول: هذا فاسد، وإن كان مرادهم أنه يدل على فساد الوصف لا الموصوف المنهي عنه.
وهذا كذلك الفرق بين الوصف والموصوف هنا هذا قولٌ بانفكاك الجهة، ومر معنا أن القول بانفكاك الجهة لا وجود له، إلا فيما سيذكره في الحالة الأخيرة، وأما صومٌ في يوم العيد الجهة منفكة، هذا لا انفكاك لها البتة إنما انفكاك في العقل.
يعني: لو صام يوم العيد -يوم الفطر أو الأضحى- قالوا: الصوم صحيح، ونبطله؛ لأنه منهيٌ عنه، لماذا؟ لأن النهي هنا يدل على فساد الوصف لا الموصوف.
نقول: هو واحد؛ لأنه يوم عيد زمن وهو ظرفٌ للصوم، حينئذٍ هل يقع الصوم لا في زمنٍ؟ الجواب: لا. ثم جاء الزمن هذا معيّن، ثم هو باعتبار الواقع، حينئذٍ القول بانفكاك الجهة هذا لا وجود له في الخارج البتة.
فحينئذٍ يكون باطلاً وهو منهيٌ عنه.
قالوا: يدل على فساد الوصف لا الموصوف المنهي عنه، لكونه مشروعاً بدون الوصف، فالصوم مشروع لا في يوم العيد، نقول: نعم. لكن جاء الشرع بالنهي عنه مقيداً .. ما جاء مطلقاً، فالتفريق هذا كونه جائزاً في موضعٍ محرماً في موضع نقول: هذا ليس محلاً واحداً وإنما هو بالتعدد، فإذا كان كذلك فنحن نقول: الصوم منه مشروعٌ ومنه ما ليس بمشروع، هل كل صومٍ يكون مشروعاً .. لو سرد أيام الأسبوع كاملةً وهو صائم هل هذا صومٌ شرعاً؟ نقول: لا ليس بصوم شرعاً. إن لم يكن مجتهداً وبناه على قولٍ فالصوم باطل؛ لكونه يعتبر بدعة.
حينئذٍ إيقاع الصوم في يوم العيد نقول: هذا الصوم ليس بمشروع فهو منهيٌ عنه، وكون اسمه صوماً لا يخرجه عن كونه غير مشروع، فالصلاة إن وافقت الشرع فهي الصلاة المشروعة، وهي التي تسمى صلاة، فإن لم توافق الشرع فحينئذٍ لا تسمى صلاة، ولو سماها صاحبها صلاة؛ لأن لها ضوابط معينة.
كذلك الصوم ليس كل اسمٍ أُطلق عليه أنه صوم صار شرعاً، فحينئذٍ نقول: الصوم منهيٌ عنه، والفرق بين الإيقاع والصوم هذا شيءٍ في الذهن لا وجود له في الخارج.
كيف ينفك الإيقاع عن فعل الصوم الإمساك عن كونه صوماً، يتصور العقل هذا؟ لا وجود له، وهذه زعزعة لا أصل لها.