تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مطلق الإذن أوسع من الوجوب -يعني: أعم-، وأوسع من الندب، حينئذٍ ثبت الأعم وثبوت الأعم لا يستلزم ثبوت الأخص، نحتاج إلى دليل يدل على أنه واجب أو مندوب، والأصل أن نحمله على الإباحة وهو مطلق الإذن.

قال: ﴿وَمِنْ ذَلِكَ﴾ يعني: مما جاء الاستقراء في نصوص الشرع بورود صيغة افعل بعد الحظر ويراد بها الإباحة وهو ما عبَّر عنه بأنه حقيقة شرعية أو غلبة الاستعمال في الشارع قَوْله تَعَالَى: ((وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)) جاء المنع من الاصطياد، والأصل في الاصطياد الإباحة، جاء المنع للمحرم .. التحريم، ثم قال: ((وَإِذَا حَلَلْتُمْ)) يعني: انتهيتم من العمرة أو الحج، قال: ((فَاصْطَادُوا)) هل يجب عليه أن يصيد؟ يُندب؟ لا يقال، إذاً: للإباحة، وهذا محل وفاق للإباحة ((فَاصْطَادُوا)).

((فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ)) منَع البيع وجميع العقود، إذاً صيغة لا تفعل، ثم قال: ((فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا)) الانتشار واجب؟ ليس بواجب، مندوب؟ ليس بمندوب. وقد قيل، لكن المراد هنا فأفاد الإباحة.

((فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ)) مُنِع وقت الحيض، ثم: إِذَا تَطَهَّرْنَ يعني: اغتسلن، فَأْتُوهُنَّ، واجب؟ ليس بواجب. وقد قيل به.

((فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ)) إذاً: هذه كلها نصوص تدل على أن صيغة افعل بعد الحظر تدل على الإباحة ولا تُحمل على الوجوب ولا الندب لعدم دليل .. لأنه زيادة.

﴿وَمِنْ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَادَّخِرُوهَا>>﴾.

وهذا للإباحة وليس للوجوب ولا للندب <<نَهَيْتُكُمْ>> جاءت صريح هنا: منعتكم .. حرمت عليكم الادخار، قال: <<فَادَّخِرُوهَا>> جاءت صيغة افعل بعد الحظر.

قال: ﴿وَالأَصْلُ عَدَمُ دَلِيلٍ سِوَى الْحَظْرِ﴾.

يعني: لم تُعلم إباحة ما سبق بدليل خارج؛ لأن بعضهم قال: الإباحة جاءت في هذه النصوص بدليلٍ خارج لا لكونه وقع بعد حظرٍ.

قال: لا. الأصل عدم دليلٍ خارجٍ عن سوى الحظر، فالحظر هو القرينة الصارفة.

فإن قيل الإجماع قيل: هذه محمولة على الإباحة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وليس ثَم إجماع.

قال: ﴿وَالإِجْمَاعُ حَادِثٌ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ﴾.

هذا كله ردٌ على أقوال المخالفين.

﴿وَكَقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ: لاَ تَأْكُلْ هَذَا. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: كُلْهُ﴾.

لاَ تَأْكُلْ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: كل هذا. للإباحة أو لا؟ للإباحة، هذا من مقتضى اللغة. يعني: في العرف كذلك. قول السيد لعبده: ﴿لاَ تَأْكُلْ هَذَا. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: كُلْهُ﴾. نقول: هذا أباح له الأكل.

هذا القول الأول: أنه بعد الحظر للإباحة.

﴿وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى﴾ بل أكثر الفقهاء والمتكلمين ﴿وَأَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ، وَصَدْرُ الشَّرِيعَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ كَالأَمْرِ ابْتِدَاءً﴾.

يعني: كأنه لم يرد حظرٌ، وصيغة افعل إذا لم يرد حظرٌ تُحمل على الوجوب.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٩٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٩٦٦