يعني: ليس كالأبوة والبنوة، لا تتصور الأبوة إلا إذا تصورت البنوة والعكس بالعكس، هذا ما يسمى بالمتضايفين كما مر معنا.
هل الأمر والنهي كذلك؟ الجواب: لا.
تتصور الأمر حقيقته دون أن تتصور النهي.
فلا يتوقف أحدهما أو يتصور أحدهما على الآخر؛ إذ الأمر مضافٌ إلى الشيء والنهي مضافٌ إلى ضده.
وليس الخلاف أيضاً .. إذاً: ليس الخلاف في مفهوم الأمر، وليس الخلاف في مفهوم النهي.
وليس الخلاف كذلك في اللفظ لاختلاف صيغة افعل عن صيغة لا تفعل، وهذا محل وفاقٍ .. إجماع أهل اللغة.
ففي الأمر افعل وفي النهي لا تفعل، وإنما الخلاف في أن ما صدق عليه أنه أمرٌ بشيءٍ هل يصدق عليه أنه نهيٌ عن ضده؟ هل المصدق واحد أم لا؟
إذا قيل بأن هذا أمرٌ "صلِّ"، إيجاد الصلاة حينئذٍ له مصدق وهو إيقاع الصلاة في الخارج، يستلزم ذلك أنه لا بد أن ينفك عن كل مضادٍ للصلاة؛ إذ لا يمكن أن تتحقق الصلاة إلا بالتلبس بضد مضادها، وهو إيجاد أفعال الصلاة.
عندنا دلالتان هنا لا شك: إيجاد صلاة .. كفٌ عما يعيق عن الصلاة، هل المدلول شيءٌ واحد –المصدق- أم هما متغايران؟ هذا محل النزاع.
من قال بأن الكلام نفسي جعلهما شيئاً واحداً، ومن فرَّق بينهما قال: لا. هذا له دلالة تختص به، ثم جاء الاستلزام بالكف عن نقيضه بشيءٍ آخر منفك عن اللفظ ومدلول اللفظ.
إذاً: الخلاف في أن ما صدَق عليه أنه أمرٌ بشيءٍ هل يصدق عليه أنه نهيٌ عن ضده أو لا، أم يستلزمه؟
هذا فيه خلاف الذي يذكره الأصوليون.
هذه المسألة مفترضة -إذا قيل: العين والتضمن- مفترضة عند من أثبت الكلام النفسي، أما عند أهل السنة والجماعة فلا؛ لأن التغاير لفظاً ومعنىً للأمر مغايرٌ للنهي لفظاً ومعنىً، ولذلك قلت لكم سابقاً: الأمر له لفظه ومعناه، منفكٌ انفكاكاً من كل وجه عن النهي ومعناه.
إذاً: ليس عندنا قدرٌ مشترك، من قال بالكلام النفسي عنده قدرٌ مشترك وهو المعنى، ولذلك الاقتضاء عندهم شيءٌ واحد، إن تعلق بفعل سموه أمراً، وإن تعلَّق بالترك سموه نهياً، فحينئذٍ الأمر النفسي هو عينُ النهي النفسي، وإنما يحصل التمايز بينهما بالمتعلَّق.
ولذلك اختلفوا: هل الأمر بالشيء هو عين النهي عن الشيء، أم أنه يتضمنه، أم أنه يستلزمه؟ خلافٌ بينهم.
قال الزركشي -لأنهم يقيدون الأمر النفسي هنا-: وإنما قيدنا هذا الخلاف بالنفسي؛ للتنبيه على أنه ليس الخلاف على صيغة الأمر وصيغة النهي؛ إذ لا نزاع في أنهما صيغتان مختلفتان.
إذاً: عندنا لا خلاف ولله الحمد والمنة: أن صيغة الأمر لا تدل من جهة الصيغة على النهي البتة، وإنما بدلالةٍ أخرى على أنه لا يمكن الامتثال إلا بالكف عن أضداد المأمور به.
قال: إذ لا نزاع في أنهما صيغتان مختلفتان، وإنما النزاع عند القائلين بالنفسي، بأن الأمر هو الطلب القائم بالنفس راجعٌ إلى أن طلب فعل الشيء هل هو طلب ترك أضداده أم لا؟ يعني: الشيء الواحد يكون اقتضاءَ طلب ويكون في نفس الوقت هو اقتضاء تركٍ عن أضداد ذلك المطلوب، وهذا لا يُتصور إلا عند مثبتي الكلام النفسي.
قال هنا: (وَالأَمْرُ بِمُعَيَّنٍ) يعني: بشيءٍ معين إيجاباً أو ندباً؛ لأن الأمر هنا هو الاقتضاء، والمراد به ما مر معنا.