هذا كله جاء بمعنى الخبر. يعني: صيغة افعل يراد به الخبر، ويراد بالخبر ما يحتمل الصدق والكذب؛ لأنه لو حُمل على ظاهره حينئذٍ نقول: لا يحتمل الصدق والكذب، وليس الأمر كذلك. ومر التنصيص على ذلك.
﴿وَذَلِكَ لأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ بِمَعْنَى الأَمْرِ فِي قوله تعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ))﴾ يعني: ليرضعن، هذا المراد به.
((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ)) يعني: ليتربصن. جَاءَ الأَمْرُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ. يعني: كلٌ منهما يأتي بمعنى الآخر.
وإذا كان كذلك فحينئذٍ يسمى مجازاً .. إذا جاء الخبر بمعنى الأمر فهو مجاز، وإذا جاء الأمر بمعنى الخبر فهو مجاز.
﴿وَكَذَا جَاءَ الْخَبَرُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، كَمَا فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: <<لا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا>> بِالرَّفْعِ؛ إذْ لَوْ كَانَ نَهْيًا لَجُزِمَ، فَيُكْسَرُ لالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ﴾.
لا تزوجِ الـ .. لو كسَر لكان نهياً، لكن قال: بالرفع ليصح المثال.
﴿قَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِي: وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ﴾ يعني: النفي ﴿أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ لأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لِشِدَّةِ طَلَبِهِ نَزَّلَ الْمَطْلُوبَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِعِ لاَ مَحَالَةَ﴾ فحينئذٍ نفاه: لا إيمان لمن لا أمانة له، هو لم يوجد فنفاه، نزّله منزلة الموجود فنفاه.
قال: (وَتَفْوِيْضٍ) يعني: المعنى ﴿الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى تَفْوِيضٍ نَحْوُ قوله تعالى: ((فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ))﴾ فاقض هذا المراد به.
﴿وَيُسَمَّى أَيْضًا: التَّحْكِيمُ﴾. وغير ذلك من الأسماء المذكورة عند أرباب البيان والأصول.
(وَتَكْذِيبٍ) يعني: تأتي بمعنى التكذيب ﴿نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ((قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ))﴾ تكذيبٍ لهم، ﴿((فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ))، ((قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ))﴾ إلى آخره.
قال: (وَمَشُورَةٍ) يعني تأتي بمعنى المشورة ((فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى)) فَانْظُرْ هذا الشاهد ﴿فِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ لابْنِهِ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ إشَارَةً إلَى مُشَاوَرَتِهِ فِي هَذَا الأَمْرِ﴾.
فانظر: تأمل، هذا فيه مشورة.
((يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُك فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى)) هذه الآية.
(وَاعْتِبَارٍ) يعني: تأتي ﴿بِمَعْنَى الاعْتِبَارٍ ((اُنْظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ)) فَإِنَّ فِي ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ﴾.
(وَتَعَجُّبٍ) وَهو المعنى ﴿السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: نَحْوُ قوله تعالى: ((اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَك الأَمْثَالَ))﴾. كيف. هنا للتعجب .. ليست للسؤال.
﴿وَمَثَّلَهُ الْهِنْدِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ((كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا))﴾