وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنْ كَثُرَ عَدَدُ الْمُجَرِّحِينَ عَلَى عَدَدِ الْمُعَدِّلِينَ قُدِّمَ الْجَرْحُ وَإِلاَّ فَلاَ} يعني: الكثرة ليست معتبرة هنا، وإنما النظر في الجرح وأن معه زيادة.
حينئذٍ المقابل –المعدِّل- وإن كثر عددهم، حينئذٍ لا يلتفت إليهم إلا إذا بينوا أن الراوي قد رجع عما عُلِّق عليه الجرح.
قال: لأن الكثرة –على القول الثاني- لها تأثير في القوة.
ورده الخطيب بأن المعدلين وإن كثروا فليسوا مخبرين بعدم ما أخبر به الجارحون. يعني: الجارح أخبر بوصفٍ ورتب ذلك الوصف على سبب.
المعدل ليس عنده ما يتعلق بهذا السبب إلا كما ذكرنا سابقاً.
ولو أخبروا بذلك كانت شهادة نفي وهي باطلة.
وقيل: يُقدم التعديل مطلقاً. وقيل: يقدم التعديل على الجرح إن كثر المعدلون مع جرح مطلق .. إلى آخر ما ذكروه في هذا المقام.
إذاً: ويقدم جرحٌ مطلقاً سواء قل عدد الجارحين أم كثروا أم استووا؛ لأن الجارح معه زيادة علم: وهو ذكر السبب الذي بسببه جرَّح الراوي، وليس مع المعدِّل سوى استصحاب الأصل إلا إذا بيّن أن الجارح إنما اعتمد سبباً قديماً، وقد رجع عنه الراوي.
ثم قال: (وَأَقْوَى تَعْدِيلٍ) يعني: أراد أن يبين مراتب التعديل.
والأمور التي يحصل بها التعديل عند الأصوليين أربعة: إما بالقول، وإما بالرواية عنه، أو بالعمل بخبره، أو بالحكم به.
أربعة أشياء يتكلم عنها الأصوليون في هذا الموضع:
إما بالقول الصريح. يعني: تزكية وتعديل صريح بالقول.
وإما بالرواية عنه. على خلاف في الجملة في المسألة.
وإما بالعمل بخبره. يعني: رأينا مجتهداً يعمل بخبر فلان، هل هذا تعديلٌ له أم لا؟ فيه خلاف.
الرابع: الحكم به. يعني: القاضي، إذا حكم بشهادته عُدَّ تعديلاً، ولذلك عد المصنف أقوى ما يُذكر.
﴿وَلِلتَّعْدِيلِ مَرَاتِبُ أُشِيرَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ:﴾ (وَأَقْوَى تَعْدِيلٍ حُكْمُ مُشْتَرَطِ الْعَدَالَةِ بِهَا).
(حُكْمُ) يعني: القاضي إذا حكم، معلوم أن القاضي إذا حكم ألزم ولا يكون كذلك إلا إذا كان عدلاً.
(وَأَقْوَى تَعْدِيلٍ) ﴿أَيْ: أَعْلَى مَرَاتِبِهِ﴾ (حُكْمُ مُشْتَرَطِ الْعَدَالَةِ بِهَا).
يتضمن شيئين: أولاً: الحكم، وثانياً: أن يكون الحاكم مشترطاً للعدالة.
(حُكْمُ مُشْتَرَطِ الْعَدَالَةِ بِهَا) يعني: أن يحكم بشهادته. صحِّح الشهادة.
حينئذٍ يكون هذا تعديلاً، لكن بشرط أن يكون القاضي ممن يشترط العدالة.
(حُكْمُ مُشْتَرَطِ الْعَدَالَةِ بِهَا) ﴿أَيْ بِالْعَدَالَةِ﴾.
قال: ﴿وَهَذَا بِلاَ خِلافٍ﴾ أنه يتضمن تعديل الراوي، لو شهد الراوي عند قاضٍ ولم نعلم له إلا هذه الشهادة فأمضى القاضي هذه الشهادة، وهذا القاضي يشترط العدالة، حينئذٍ نقول: هذا الراوي عدلٌ؛ لأن القاضي هذا يشترط العدالة وقد أمضى شهادته. يعني: لا يشهد عنده إلا العدول، إذاً: هذه تزكية له وتعديلٌ له.
قال: ﴿وَهَذَا بِلاَ خِلافٍ﴾ لماذا؟
لأن الحكم بشهادته استلزم القول وتضمَّنه. يعني: هو قول وزيادة، كأنه قال: فلانٌ عدلٌ، وهو أبلغ من القول.
﴿قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: وَحُكْمُ الْحَاكِمِ تَعْدِيلٌ اتِّفَاقًا﴾ بلا خلاف، ولذلك جعلها أعلى المراتب هنا.