تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ فِي أُصُولِهِ: حَدُّ الإِصْرَارِ الْمَانِعِ فِي الصَّغَائِرِ} يعني: المانع من القبول ﴿أَنْ تَتَكَرَّرَ مِنْهُ تَكَرُّرًا يُخِلُّ الثِّقَةَ بِصِدْقِهِ﴾.

لكن هل هذا ضابط؟ التكرار له أدنى وله أوسط وله أعلى، وإذا كان كذلك لا يصلح مثل هذا أن يكون ضابطاً.

{وَقِيلَ: يَقْدَحُ تَكْرَارُهَا فِي الْجُمْلَةِ.

وَقِيلَ: ثَلاثًا. قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الْمُقْنِعِ وَآدَابِ الْمُفْتِي.

وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ: تَقْدَحُ كَثْرَةُ الصَّغَائِرِ وَإِدْمَانُ وَاحِدَةٍ}.

يعني: الصغائر من حيث الجملة تقدح، وإذا أدمن على واحدة منها كذلك قدحت.

{وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُقْنِعِ: لاَ يُدْمِنُ عَلَى صَغِيرَةٍ.

وَهُوَ مُرَادُ الأَوَّلِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ فَالإِدْمَانُ هُنَا كَمَا قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ فِي أُصُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ}.

ثم ذكر علة هذا الحكم فقال: (لِتَكْفِيرِهَا بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَمَصَائِبِ الدُّنْيَا).

إذاً: علَّق الحكم على علة وهو: هل تُكفَّر بالكبائر وبمصائب الدنيا أو لا؟

لكنه قيَّده بقوله: (إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ تَكَرُّرًا يُخِلُّ بِالثِّقَةِ بِصِدْقِهِ) فالنظر يكون فيه من هاتين الجهتين: عدم التَّكرر الذي يخل بالصدق، ثم قال: (لِتَكْفِيرِهَا) بيّن علة هذا الحكم.

قال: (لِتَكْفِيرِهَا) ﴿أَيْ تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ﴾ واللام للتعليل متعلق بقوله: (لَمْ تَقْدَحْ).

(بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَمَصَائِبِ الدُّنْيَا) (بِاجْتِنَابِ) الباء سببية أي: بسبب اجتناب الْكَبَائِرِ وَمَصَائِبِ الدُّنْيَا ﴿عَلَى الأَصَحِّ فِي كَوْنِ الذُّنُوبِ تَنْقَسِمُ إِلَى﴾ قسمين: ﴿صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ﴾ أن الذنب ينقسم إلى قسمين، الذنب هذا جنس، والمعصية جنس، وينقسم إلى كبيرة وصغيرة. وهو مذهب الجمهور.

﴿وَقَالَ الأُسْتَاذُ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ وَابْنُ فُورَكٍ وَالْقُشَيْرِيُّ وَالسُّبْكِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ الأَشْعَرِيَّةِ: إنَّ جَمِيعَ الذُّنُوبِ كَبَائِرُ﴾.

يعني: ليس فيها قسمة بين كبيرة وصغيرة، وكل ذنبٍ وقع فيه من وقع فحينئذٍ هو كبيرة.

﴿قَالَ الْقَرَافِيُّ: كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى صَغِيرَةً إجْلالاً لَهُ﴾. يعني: الخلاف في التسمية.

﴿مَعَ مُوَافَقَتِهِمْ فِي الْجَرْحِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقِ الْمَعْصِيَةِ، بَلْ مِنْهُ مَا يَقْدَحُ، وَمِنْهُ مَا لا يَقْدَحُ﴾. إذاً: الذنب منه ما يقدح في العدالة ومنه ما لا يقدح في العدالة، وأما هل يسمى صغيرة أو كبيرة؟ عند هؤلاء كلهم يسمى كبيرة، وليس ثم فرقٌ بين الكبيرة والصغيرة من حيث الاسم. {وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي التَّسْمِيَةِ.

اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ} -على إثبات التقسيم بين الكبائر والصغائر- ﴿بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ((إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ))﴾ [النساء:31].

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٨٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٨٢٤