قال: ﴿لِعَجْزِهِ عَنْ السُّنَنِ رَغْمَ﴾ أو زَعَمَ ﴿أَنَّهُ لاَ يَقْبَلُ مِنْهَا﴾ يعني: من الأخبار عموماً ﴿إلاَّ مَا تَوَاتَرَ﴾ تواتر بماذا؟
النقل متواتر {بِخَبَرِ مَنْ لاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ.
وَهَذَا ذَرِيعَةٌ إِلَى إبْطَالِ السُّنَنِ. فَإِنَّ مَا شَرَطَهُ لاَ يَكَادُ يُوجَدُ إلَيْهِ سَبِيلٌ}.
يعني: من لا يجوز عليه الغلط والنسيان. إذاً: أضف "لا"، وهي ساقطة من شرح الكوكب وكذلك التحبير.
﴿وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ﴾.
إذاً: هذا هو الصواب: أن خبر الواحد يُقبل مطلقاً في العقائد وفي غيرها، ولا يجوز رده البتة للكتاب والسنة والإجماع.
بعض المذاهب استثنوا بعض أنواع خبر الآحاد. يعني: ليس مطلقاً وإنما نوعاً معيناً، فخالف المالكية فمنعوه ﴿إِذَا خَالَفَهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾؛ لأن عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عند المالكية أنه إجماع، فإذا كان كذلك فحينئذٍ قدّموا الإجماع على خبر الواحد، فكل خبر الواحد خالفه عمل المدينة فالثاني مقدم على الأول؛ لأن هذا إجماعٌ وذاك خبرُ واحدٍ.
ولهذا لم يقولوا بخيار المجلس الثابت في الصحيحين -خبر واحد-؛ لمخالفة أهل المدينة .. ما عليه أهل المدينة.
﴿وَمَنَعَهُ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى﴾.
قالوا: ما تعم به البلوى يعني: يحتاجه الناس بكثرة، هذا لا يُنقل بخبر الواحد، لا بد أن يكون مشهوراً وما زاد، وأما خبر الواحد فلا يُقبل. الصواب: أنه يُقبل، في المسألة هذه والتي قبلها.
﴿وَمَنَعَهُ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى. أَوْ خَالَفَهُ رَاوِيهِ﴾ ..
يعني: كما لو روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه حديثاً، لم يعمل به وإنما خالفه، سواء عمل بخلافه أو أفتى بخلافه، حينئذٍ لا يُقبل هذا لأنه مخالف.
﴿أَوْ عَارَضَ الْقِيَاسَ﴾ .. خبر الواحد عارض القياس فالقياس مقدم، وهذا باطل.
﴿لأَنَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى -كَحَدِيثِ مَسِّ الذَّكَرِ- تَقْتَضِي الْعَادَةُ تَوَاتُرَهُ﴾. وهذا قيدٌ زائد على مدلول النصوص.
وجوابه: منع قضاء العادة، من أين نعرف أن هذا تقتضي العادة نقله .. إلى آخره؟ نقول: هذا مما تتفاوت فيه الأحوال بتفاوت الأزمنة والأشخاص؛ لأنه قد يكون في زمن مشهوراً .. مستفيضاً، وفي زمن لا، حينئذٍ نقول: المرجع والمرد هو إلى ثبوت النص من حيث هو. فإذا بلغه وجب العمل به سواء كان مما تعم به البلوى، سواء خالف عمل أهل المدينة .. ونحو ذلك، فالمقدم هو النص.
وكذلك نقول: دلت النصوص على اعتبار خبر الواحد مطلقاً دون تفصيل، كما مر في أدلة الإجماع، قلنا: أدلة الإجماع دلت على اعتبار الإجماع دون شرط أو قيد، حينئذٍ كل من قيَّد بأنه يُشترط فيه انقراض العصر .. إلى آخره، نقول: هذا تقييد لما أُطلق في النصوص.
كذلك دلت النصوص على اعتبار قبول خبر الواحد دون تفصيل، فمن قيده بأنه يُرد في كذا مع ثبوته في نفسه، نقول: نحتاج إلى قيد وليس عنده قيد.
قال هنا: ﴿وَلأَنَّ مَا خَالَفَهُ رَاوِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَهُ لِدَلِيلٍ أَقْوَى﴾ عنده.