إن أراد الإمام أحمد في الرواية السابقة: أنه يفيد العلم مطلقاً هذا قد يقال بأنه فيه شيء من البُعد، ولعله لا يراه، بدليل أن ثم روايات أخرى تدل على أنه يرى أنه يفيد الظن.
وفي روايات أخرى على أنه يفيد العلم، دل هذا على أن ثم تفصيلاً: وهو أنه للحافظ المتبحر الممارس لعلم الحديث قد يحصل له بسند واحد العلم بأن هذا النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله، ولذلك قيده هنا: لكنه لا بالنسبة لكل أحد بل إلى الحافظ المتبحر، ولذلك قد يجده الإنسان من نفسه، قد يصحح حديثاً ولا يجد أنه أفاد العلم عنده، بل لا زال الشك وارداً إلى قلبه. نقول: هذا لا يحصل لكل أحد، وإنما يحصل للأئمة الكبار الذين تبحروا في العلم، فحينئذٍ يفيد الخبر -خبر الواحد- العلم النظري. ولا نقول هنا العلم الضروري.
وظاهر هذا الخلاف المتقدم يعم ما إذا وُجد قرينة تدل على صدقه أو لا. يعني: القول بأنه يفيد الظن فقط، هذا القول قال به بعض الأصوليين، ونُسب لبعض أهل الحديث بأن الخبر -خبر الآحاد- يفيد الظن مطلقاً ولو مع قرائن.
فالمذاهب ثلاثة: أنه يفيد الظن مطلقاً، أنه لا يفيد الظن مطلقاً، يعني: يفيد العلم مطلقاً. يعني: بقرينة أو لا.
الثالث: التفصيل، وهو أنه يفيد العلم إذا احتفت به قرائن، ولا يفيد العلم إذا لم تحتف به قرائن.
إذاً: أقوال ثلاثة.
قال المصنف هنا: (وَلَوْ مَعَ قَرِينَةٍ).
يعني: (وَغَيْرُهُ يُفِيدُ الظَّنَّ فَقَطْ وَلَوْ مَعَ قَرِينَةٍ) إذاً: رجّح المذهب الأول: بأن خبر الواحد يفيد الظن مطلقاً سواء احتفت به قرائن أو لا، وهذا المذهب ضعيف، بل الصواب أنه يقال: إن احتفت به قرائن فحينئذٍ يفيد العلم، إن لم تحتف به قرائن كذلك قد يفيد العلم لكن ليس لكل أحد، وإنما هو للحافظ المتبحر، وأما القول بأنه يفيد الظن مطلقاً ولو احتفت به قرائن. فهذا قول مردود .. ليس بصواب.
(وَلَوْ مَعَ قَرِينَةٍ) يعني: أن خبر الواحد يفيد الظن لا العلم ولو مع قرينة.
قال ابن مفلح: وذكره جماعة قول الأكثر. يعني: أن خبر الواحد لا يفيد العلم ولو مع قرينة.
أنا دائماً أقول: طالب العلم لا يعتني بأرباب .. أصحاب القول، وإنما يعتني بالقول، ولذلك انظر في صفحة واحدة نُسبت ثلاثة أقوال متباينة إلى الأكثر: وقاله الأكثر .. وقاله الأكثر .. وقاله الأكثر؛ لأن هذه النسبة لا تُحرَّر، ولو أراد الطالب أن يشتغل بهذا الفن الذي هو نسبة المذاهب إلى أصحابها أظن يحتاج إلى عمر جديد، إن كان سيعيش خمسين سنة يحتاج خمسين سنة من أجل نسبة الأقوال إلى أصحابها، ولا أرى أن الطالب يشتغل بمثل هذا، إلا اللهم إذا ترتب عليه قول بتأييد بدعة أو نظر في الأصل، يعني: في باب المعتقد فقط، هل قال الإمام أحمد أم لا، هل نفى أو لا؟ هذه لا بد من بحثها، والخلط فيها قليل عند أهل السنة.
يعني: نسبة القول إلى غير أصحابه أو الخلط من حيث الكثرة والقلة. هذه نادرة، لكن ما عداها في سائر الفنون تجد هذا يحكي قول الجمهور ويرى التحريم، والثاني يحكي قول الجمهور ويرى الإباحة. وما تدري أي جمهور هذا، ولو أردت أن تبحث ضاع الوقت، وأنا أرى أن الطالب لا يشتغل بمثل هذا.