قال في المصباح المنير: التواتر التتابع. يقال: تواترت الخيل إذا جاءت يتبع بعضها بعضاً. هذا من حيث اللغة، وهذا موجود حتى في المعنى الاصطلاحي عند أهل الحديث، التواتر: تتابع الأسانيد بعضها وراء بعض.
(وَاصْطِلَاحًا) يعني: التواتر في الاصطلاح.
(خَبَرُ عَدَدٍ) خبرٌ هذا كالجنس يشمل التواتر والآحاد، وبإضافته إلى عددٍ يُخرج خبر الواحد. ولو كان مستفيضاً كما سيأتي.
(خَبَرُ عَدَدٍ يَمْتَنِعُ مَعَهُ لِكَثْرَتِهِ تَوَاطُؤٌ عَلَى كَذِبٍ) تواطؤٌ هذا فاعل يمتنع. عددٍ يمتنع.
والامتناع هنا ليس عقلياً وإنما هو في العادة، ولذلك صرّح بعضهم: يمتنع عادة.
(يَمْتَنِعُ مَعَهُ) ﴿أَيْ: مَعَ هَذَا الْعَدَدِ﴾ (لِكَثْرَتِهِ) اللام للتعليل ﴿أَيْ: لأَجْلِ كَثْرَتِهِ﴾ (تَوَاطُؤٌ) أي: توافق. التواطؤ التوافق .. ﴿فَاعِلُ يَمْتَنِعُ﴾ (عَلَى كَذِبٍ) ﴿مُتَعَلِّقٌ بِتَوَاطُؤٍ﴾.
(عَنْ مَحْسُوسٍ) يعني: نتيجته التي وصلوا إليها في الخبر هو المحسوس؛ احترازاً عن العقل فلا يكون تواتراً لذلك.
(عَنْ مَحْسُوسٍ) هذا ﴿مُتَعَلِّقٍ بِخَبَرٍ، أَيْ: بِخَبَرِ عَدَدٍ عَنْ مَحْسُوسٍ﴾ أي: معلوم بأصل الحواس الخمس كمشاهدة، أو سماع: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذا، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم .. أخبرنا .. حدثنا .. إلى آخره.
فخرج به ما كان عن معلوم بدليل عقلي فلا يسمى تواتراً؛ لانتفاء المنتهى.
كَإِخْبَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ دهْرِيًّا بِحُدُوثِ الْعَالَمِ فإنه لا يوجب له علماً؛ لِتَجْوِيزِهِ غَلَطَهُمْ فِي الاعْتِقَادِ. بل هو معتقد ذلك.
وخرج بقوله: (يَمْتَنِعُ مَعَهُ) إلى آخره. خبر عدد لم يتصف ذلك العدد بالوصف المذكور.
إذاً: هذا العدد الكثير لأجل كثرته يمتنع في العادة (تَوَاطُؤٌ) أي: توافق على كذب.
(عَنْ مَحْسُوسٍ) يكون منتهى الخبر هو الحس. يعني: إحدى الحواس الخمسة.
(أَوْ خَبَرُ عَدَدٍ عَنْ عَدَدٍ كَذَلِكَ) ﴿أَيْ: يَمْتَنِعُ مَعَهُ لِكَثْرَتِهِ تَوَاطُؤٌ عَلَى كَذِبٍ﴾.
(إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ) ذلك الخبر بذلك العدد (إِلَى مَحْسُوسٍ) ﴿أَيْ: مَعْلُومٍ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ. كَمُشَاهَدَةٍ أَوْ سَمَاعٍ﴾ كما مر.
إذاً: إخبار عدد عن شخص واحد، أو إخبار عدد عن عدد، فالتواتر قد يكون منتهاه شخصٌ واحد، وقد يكون منتهاه عدد كثير ولا إشكال فيه.
قال: (مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ بِنَفْسِهِ).
(مُفِيدٌ) هذا صفة لِـ: (تَوَاتُرٌ) ﴿أَيْ: وَمِنْ الْخَبَرِ تَوَاتُرٌ﴾ (مُفِيدٌ) يعني: يفيد هذا الخبر العلم (بِنَفْسِهِ) يعني: بذاته لا بقرينة
(مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ).
قال: خرج به خبر عدد لا يفيد العلم بل الظن، فلا يسمى متواتراً.
(بِنَفْسِهِ) ﴿خَرَجَ بِذَلِكَ الْخَبَرُ الَّذِي صِدْقُ الْمُخْبِرِينَ فِيهِ بِسَبَبِ الْقَرَائِنِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا لا يَنْفَكُّ عَنْ الْمُتَوَاتِرِ عَادَةً وَغَيْرِهَا؛ لأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ لا بِنَفْسِهِ﴾.
يعني: ما أفاد العلم يُنظر فيه، إذا أردنا أن نعرف هل هو متواتر أو لا؟
إن أفاد العلم بذات الخبر لا بضميمة قرينة خارجة، فعند الأصوليين يسمى تواتراً بشرط العدد الكثير.