تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعني: يكونان الصدق والكذب يوصف بهما الماضي ولا إشكال، وهل يوصف بالصدق والكذب المستقبل؟ هذا محل نزاع.

والصواب: أنه يوصف به .. أن يقال في المستقبل أنه كاذبٌ، وسيأتي أمثلته من الكتاب.

(وَيَكُونَانِ) ﴿أَيْ: الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ﴾.

(فِي مُسْتَقْبَلٍ) يعني: ﴿فِي زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ كَمَا يَكُونَانِ فِي زَمَنٍ مَاضٍ﴾ وهذا هو الصحيح، قاله في شرح التحرير.

﴿قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى فِيمَنْ قَالَ: لاَ آكُلُ﴾ متى؟ في المستقبل ﴿ثُمَّ أَكَلَ: هَذَا كَذِبٌ﴾ هكذا قال الإمام أحمد.

﴿قَالَ: لا آكُلُ﴾ يعني في المستقبل ﴿ثُمَّ أَكَلَ: هَذَا كَذِبٌ﴾. توجَّه الكذب لأي شيء؟

لقوله: لا آكُلُ. إذا قال: لا آكُلُ، لا أذهبُ، لا أقرأ .. ثم قرأ فأكل وشرب، حينئذٍ نقول: قوله: لا آكُلُ كذِبٌ، مع كونه تعلق بالمستقبل.

فيوصف حينئذٍ ما تعلق بالمستقبل بالكذب.

قال: {هَذَا كَذِبٌ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ.

وَقِيلَ لَهُ أَيْضًا: بِمَ يُعرفُ الْكَذَّابَ؟ قَالَ: بِخُلْفِ الْوَعْدِ}.

خلف الوعد يكون في المستقبل، وسماه كذاباً.

{وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ((وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)).

وقَوْلِه تَعَالَى: ((أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ)) إلَى آخِرِ الآيَةِ، وقَال تَعَالَى: ((وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ))، وقَوْلِه تَعَالَى: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ))} هذا في المستقبل .. كذَّبهم.

﴿فَأَكْذَبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى﴾ مع أنهم قالوا ذلك فيما سيقع.

﴿وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<كَذَبَ سَعْدٌ>>﴾ وصفه بالكذب.

﴿وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِ عَبْدِ حَاطِبٍ لَمَّا جَاءَ يَشْكُو حَاطِبًا: لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<كَذَبْتَ>>﴾ إذاً: كذّبه مع كون مدلوله في المستقبل.

المراد هنا: أن التكذيب قد يكون لشيء في المستقبل

{<<كَذَبْتَ لاَ يَدْخُلُهَا>>.

وَرَدَّ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ((يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا))} يعني: في المستقبل.

إذاً: الكذب والصدق كما يوصف بهما الخبر في الماضي كذلك يوصف بهما في المستقبل.

{وَقِيلَ: لاَ يَكُونُ الْكَذِبُ إِلاَّ فِي مَاضٍ.

قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَهُوَ قَوْلٌ مَشْهُورٌ، بَلْ هُوَ الْمَفْهُومُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٧٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٧٧١