ولذلك قال: ﴿سُمِّيَ إنْشَاءً لأَنَّك ابْتَكَرْته مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ﴾ اضرب زيداً. الضرب ما وقع، لا تضرب زيداً. الضرب ما وقع، هل زيدٌ قائمٌ؟ نقول: ما وقع. استفهام، ليت زيداً قادم. ما وقع.
إذاً: كل ما لم يقع فهو إنشاء، وكل ما وقع وأخبرت عنه فحينئذٍ نقول: هذا خبر.
﴿وَسُمِّيَ تَنْبِيهًا؛ لأَنَّك تُنَبِّهُ بِهِ عَلَى مَقْصُودِك﴾.
ثم قال: (وَمِنْهُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَاسْتِفْهَامٌ وَتَمَنٍّ وَتَرَجٍّ وَقَسَمٌ وَنِدَاءٌ وَصِيغَةُ عَقْدٍ وَفَسْخٍ) هذه كلها داخلة تحت الإنشاء.
قال: (وَمِنْهُ) ﴿أَيْ: مِنْ غَيْرِ الْخَبَرِ﴾ وهو الإنشاء (أَمْرٌ) نَحْوُ: قُمْ. (وَنَهْيٌ) نَحْوُ: لاَ تَقْعُدْ (وَاسْتِفْهَامٌ) نَحْوُ: هَلْ عِنْدَك أَحَدٌ؟ (وَتَمَنٍّ) نَحْوُ: لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ. (وَتَرَجٍّ) نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ((وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ)).
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي: أَنَّ التَّمَنِّي يَكُونُ فِي الْمُسْتَحِيلِ وَالْمُمْكِنِ، وَالتَّرَجِّي لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْمُمْكِنِ} هذا الفرق بينهما.
(وَقَسَمٌ) ﴿نَحْوُ قَوْلِه تَعَالَى: ((تَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ))﴾ هنا الشاهد: ((تَاللَّهِ)) ليس ((لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)). حينئذٍ نقول: القسم هذا نوع من الإنشاء.
(وَنِدَاءٌ) ﴿نَحْوُ: قَوْله تَعَالَى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ))﴾ ((يَا نُوحُ)) [هود:32] نقول: هذا نداء .. يسمى إنشاء.
قال: (وَمِنْهُ) أي: من الإنشاء (صِيغَةُ عَقْدٍ وَفَسْخٍ) هذا أهم ما يُعتنى به هنا في أصول الفقه.
﴿صِيغَةُ عَقْدٍ نَحْوُ: وَهَبْتُ وَنَحْوُ: قَبِلْتُ﴾ .. بعت واشتريت، هذا يسمى صيغة عقد. لأن ركن العقد هو: الإيجاب والقبول.
بعت واشتريت. هذه هل هي إنشاء أم لا؟ قلنا: الإنشاء ما سيقع، والخبر ما وقع.
الفعل الماضي في الأصل دلالته على الماضي .. على شيء وقع وانتهى، هذا الأصل فيه، فإذا قلت: بعت .. باع زيدٌ. بعت وباع زيدٌ لا فرق بينهما، هذا الأصل فيه، لكن استُعملت مجردة عن معنى الإخبار في الإنشاء.
يعني: بعت واشتريت ليس هو الأصل فيه الإنشاء، وإنما جُردت عن الإخبار، وإلا الأصل بعت يعني: وقع مني البيع في الزمن الماضي، هذا الأصل فيه، لكن استعملت لإرادة بها إنشاء العقد، وكذلك الفسخ: طلقت، ووهبت .. إلى آخره.
قال هنا: ﴿نَحْوُ: وَهَبْتُ وَنَحْوُ: قَبِلْت، وَصِيغَةُ فَسْخ نَحْوُ: أَقَلْتُ﴾.
أقال أقلتُ فعل ماضي. الأصل فيه الدلالة على شيء وقع وانتهى، هذا الأصل فيه.
والصحيح من مذهبنا -الحنابلة- ومذهب أكثر العلماء. -والأحناف الذين خالفوا في هذه-. يعني: المالكية والشافعية والحنابلة على قول واحد: أن صيغة العقود والفسوخ ونحوها إنشاء وليست أخباراً، وهو الذي يقترن معناه بوجود لفظه.