وهذا احترزنا عنه فيما سبق، قلنا: مكلف بفعل اختياري، أما الفعل القهري الاضطراري، نقول: هذا لا ينسب إليه، لو حمل رجلاً ما وضرب به زيداً فمات، حينئذٍ المحمول هذا لا فعل له، لم يضرب .. لم يقتل قطعاً، لماذا؟ لأن هذا الفعل الصادر عنها .. هو فعل صادر عنه، لكنه قهري، باعتبار الشرع لا يسمى فعلاً؛ لأنه ليس اختيارياً، وإنما مناط التكليف هو الفعل الاختياري، هذا النوع الأول: المكره الملجأ. هذا أكثر الشافعية يعبرون عنه بالملجأ، لا يقولون مكره، وإنما يقال: هل الملجأ مكلف أو لا؟ يريدون به هذا النوع، وهو من أُكره حتى صار كالآلة، وسيذكره المصنف فيما يأتي.
هذا بالاتفاق أنه غير مكلف؛ لأنه مسلوب القدرة والاختيار، ليست له قدرة وليس له اختيار.
النوع الثاني: مكره غير ملجأ، وهو من أُكره على شيء وتعلقت به قدرته واختياره.
يعني: له قدرة وله اختيار، فهذا مختلف فيه، اختار المصنف أنه مكلف، وهو مذهب أكثر الأصوليين؛ لتوفر شرطي التكليف وهما العقل وفهم الخطاب، وله اختيار وإليه ينسب الفعل حقيقة، كمن قيل له: افعل كذا وإلا قتلناك.
فحينئذٍ هو مخير بين أمرين: إما أن يفعل، وإما ألا يفعل، حينئذٍ يكون مكرهاً على الصبر على ما عُلِّق عليه عند عدم امتثال ما أُمر به، هذا محل الإكراه.
إذاً: هذا النوع الثاني: مكره غير ملجأ، يعني: أُكره على شيء وله قدرة فيه وله اختيار.
قال الشيخ الأمين رحمه الله تعالى: والظاهر أن في ذلك تفصيلاً، يعني الأخير: المكره غير الملجأ.
فالمكره على القتل بأن قيل: اقتله وإلا قتلناك أنت، هذا لا يجوز له قتل غيره، وإن أدى ذلك إلى قتله هو، وأما في غير حق الغير فالظاهر أن الإكراه عذر يُسقط التكليف؛ بدليل قوله تعالى: ((إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)) [النحل:106] وفي الحديث: <<إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه>> على القول بثبوت الحديث.
إذاً: عند الشيخ رحمه الله تعالى أن ثم تفصيلاً في المكره غير الملجأ، استثنى فقط القتل، فإذا قيل له: اقتل زيداً وإلا قتلناك، فحينئذٍ نقول: هذا مكلف، لماذا مكلف؟ لأن الأمرين بينهما تساوي هنا، القتل والقتل متساويان، اقتل وإلا قتلناك، القتل شيئاً واحد، فحينئذٍ له اختيار، وهو إيثار نفسه على غيره، ولذلك لو قتل زيداً نقول: آثر نفسه على غيره، بمعنى أنه اختار وقدم نفسه على غيره، فالاختيار يكون واقعاً بالقلب، ولذلك لو قتله لضمن وأثم، وأما ما عدى القتل فحينئذٍ هو غير مكلف للنص الذي ذكره رحمه الله تعالى وهو الآية المقدَّمة: ((إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)) [النحل:106].
قال هنا: (وَمَعَ إِكْرَاهٍ) يعني: ﴿وَيُكَلَّفُ الْعَاقِلُ أَيْضًا مَعَ إكْرَاهٍ﴾ فالمكره مكلف عند المصنف.
(وَيُبِيحُ) ﴿الإِكْرَاه﴾ (مَا قَبُحَ ابْتِدَاءً) يعني: قبل الإكراه.
يعني: كل محرَّمٍ .. إذا أردنا كقاعدة عامة إن مشى على ذلك المصنف: كل محرَّمٍ سواء كان كفراً بالقول أو الفعل، أو ما دون الكفر من باب أولى وأحرى؛ لأنه إذا جاز له القول بالكفر فما دونه من باب أولى وأحرى أنه يجوز له ذلك.