إذاً: نقول بإدراك ركعة لحديث: <من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة> وهو قول الشافعي وأكثر أصحابه، وذلك لأنه لم يدرك من الوقت ما يمكنه الصلاة فيه، أشبه ما لو لم يدرك شيئاً، هذا القول الثاني.
وقال مالك والشيخ تقي الدين: لا يستقر الوجوب إلا بضيق الوقت، يعني: إذا صار الواجب في حقه مضيَّقاً، انتقل من الموسَّع إلى المضيَّق، وهذا قول مالك رحمه الله تعالى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وسبب الوجوب حينئذٍ لا يلزم منه الوجوب، لماذا؟ لفقد شرطٍ وهو ضيق الوقت.
قال هنا .. لكن قد يعكِّر عليه ماذا؟ حديث: <من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة> أو لا؟ إذا كان العبرة بضيق الوقت -يعني بآخره- فحينئذٍ قول النبي صلى الله عليه وسلم: <من أدرك ركعة من الصلاة> قيده بركعة، <فقد أدرك الصلاة>، قالوا: الإدراك إنما يكون من الآخر لا من الأول، يعني: أجابوا عن هذا الإيراد بأن الإدراك إنما يكون من الآخر لا من الأول، أدرك القوم يعني آخِرهم، وهذا التعليل يحتاج إلى نظر.
إذاً: ثلاثة أقوال في استقرار الوجوب، وأظهرها: أنه لا يستقر الوجوب إلا بإمكان الأداء من الوقت.
وتظهر فائدة المسألة –الخلاف-: إذا طرأ جنون أو حيض هل تقضي أم لا؟ إذا أدركت من الوقت قدر ركعة مع طهارة ثم طرأ الحيض نقول: لزمها القضاء، لكن هذا على القواعد، وأما إذا نظرنا إلى فعل السلف وما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم والصحابيات نقول: هل نُقِلَ أن الصحابيات كُنَّ يسألن النبي صلى الله عليه وسلم عن أوقات الصلوات التي كن يحضن فيها أم لا؟ إن لم يُنقل حينئذٍ يكون مخصِّصاً لهذه القاعدة، إن لم يُنقل وهو الظاهر أنه لم يرد عنهن أنهن كن يسألن النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الصلاة، ولا شك أنه وقع، أو لا؟ لا شك أنه وقع الحيض أثناء الصلاة .. أثناء الوقت، بمعنى: أنها لم تصل، أخَّرت ثم حاضت ولو مقدار ركعة، نقول: هذا لا بد أنه قد وقع، لكن لم يُنقل بأنها إذا طهرت سألت النبي صلى الله عليه وسلم، في مثل هذه الحال قد يقال بأنها خرجت عن القاعدة، وأما الأصل في القاعدة على ما ذكرناه سابقاً.
قال: ﴿وَقَالَ قَوْمٌ: يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ، فَإِنْ أُخِّرَتْ عَنْهُ صَارَتْ قَضَاءً﴾ هذا قول آخر، بمعنى: أنه وافق القول الأول، لكن إذا أخَّر مقدار ركعة أو مقدار الصلاة فصلى حينئذٍ تكون قضاءً لا أداءً، وهذا غلط وليس بصحيح، بل الصواب أنها أداءٌ؛ لحديث: <الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وفي آخره عفو الله>، قالوا: وليس مقتضي العفو هنا إلا العصيان. ما وجه الاستدلال؟ <الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وفي آخره عفو الله> قالوا: عفو إنما يكون في المعصية. نجيب على هذا نقول: الحديث ضعيف، وإذا كان ضعيفاً حينئذٍ لا يحسن الاستدلال به، أولاً: أثبِت الحديث، وبعد ذلك ائت بالاستدلال.
﴿وَقَالَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ: يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِآخِرِ الْوَقْتِ. زَادَ الْكَرْخِيُّ: أَوْ بِالدُّخُولِ فِيهَا﴾.