ما المراد بالصيغة؟ إن كان أريد بها اللفظ دون المعنى نقول: لا، بل الخبر يُطلق ويراد به اللفظ والمعنى معاً، لا يُفهم في لسان العرب إلا هذا؛ لأنه قسمٌ من الكلام. الخبر نوعٌ للكلام .. وصفٌ له، والكلام عندنا لفظ ومعنى، ليس اللفظ وحده دون المعنى ولا المعنى دون اللفظ.
فما قيل هناك في رد الكلام النفسي يقال هنا، فقوله: (وَحَقِيقَةً عَلَى الصِّيغَةِ) يعني: يُطْلَقُ الْخَبَرُ حَقِيقَةً عَلَى الصِّيغَةِ.
لما أثبت المصنف الكلام أنه لفظ ومعنى، حينئذٍ قلنا: لا إشكال فيه في هذا التعبير، وإن كان يخشى أنه قد وافق في بعض المسائل فيما مر أن الكلام يسمى المعنى به. يعني: يُطلق الكلام ويراد به المعنى النفسي.
هذا مجاراة للأشاعرة فحسب، ويخشى هنا أنه كذلك.
﴿قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَيُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى قَوْلٍ مَخْصُوصٍ؛ وَذَلِكَ لِتَبَادُرِ الْفَهْمِ عِنْدَ الإِطْلاقِ إلَى ذَلِكَ﴾.
قال: (وَتَدُلُّ بِمُجَرَّدِهَا عَلَيْهِ).
تدل يعني: الصيغة المركبة. زيدٌ قائم، قام زيد.
(بِمُجَرَّدِهَا) يعني: لا تحتاج إلى قرينة.
(عَلَيْهِ) {أَيْ: عَلَى كَوْنِهِ خَبَرًا عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ.
وَنَاقَشَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَقَالَ: الصِّيغَةُ. هِيَ الْخَبَرُ}.
فكيف تدل؟ إذا قيل تدل معناه عندنا انفصال بين اللفظ والمعنى، ولكن نقول: التفصيل فيه ما ذكرناه سابقاً: إن كان المتكلم يُثبت الكلام على أنه لفظ ومعنى معاً فالقول بالصيغة لا إشكال فيه .. لا اعتراض، وإن كان يُفصِّل حينئذٍ يرد الاعتراض. نقول: الصيغة هي الخبر فكيف تدل على الخبر؟ هذا ليس مسلماً، إنما ينبني على إثبات الكلام النفسي وهو باطل.
﴿وَنَاقَشَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَقَالَ: الصِّيغَةُ. هِيَ الْخَبَرُ﴾ ومثله فيما يأتي الأمر هل له صيغة أم لا؟ اختلفوا، والحق أن قول السلف عاماً ليس بينهم خلاف، بل نقول: هذا السؤال بدعي من أصله؛ لأنه مبني على أصل بدعي.
هل الأمر له صيغة؟ نقول: هذا سؤال بدعة؛ لأنه ينبني على التسليم بالكلام النفسي، فصيغة افعل هي تسمى صيغة ولا إشكال، لكن مدلولها اللفظ والمعنى معاً. الصيغة: أفعل، إذاً: الصيغة هي افعل، وافعل هي الصيغة لفظاً ومعنى، فلا فرق بينهما البتة.
لكن عندهم أن الأمر حقيقة في المعنوي -الشيء المعنوي-، وافعل تدل عليه، وقد لا يوضع له لفظ في لسان العرب. وسيأتي في محله إن شاء الله تعالى.
لكن ابن عقيل هنا نَاقَشَهُ {وَقَالَ: الصِّيغَةُ. هِيَ الْخَبَرُ.
فَلا يُقَالُ لَهُ صِيغَةٌ، وَلاَ هِيَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مَا قَالَهُ الْقَاضِي}.
يعني: له صيغة.
﴿وَقَالُوا: لأَنَّ الْخَبَرَ هُوَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى﴾ إذاً: على هذا التفسير لا إشكال فيه، الخبر هو اللفظ والمعنى، وهذا هو الكلام، والخبر نوع من الكلام.
{لاَ اللَّفْظُ فَقَطْ. فَتَقْدِيرُهُ لِهَذَا الْمُرَكَّبِ جُزْءٌ، وَيَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمُرَكَّبِ.
وَإِذَا قِيلَ: الْخَبَرُ الصِّيغَةُ فَقَطْ، بَقِيَ الدَّلِيلُ هُوَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ}.