قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا.
قَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ} يعني: أكثر الأصوليين.
﴿قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّافِعِيِّ. وَمِنْ عِبَارَاتِهِ الرَّشِيقَةِ: الْمَذَاهِبُ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا﴾ ولذلك العبرة بالصحابة رضي الله تعالى عنهم. أوَّل طبقة من العلماء والفقهاء والأئمة والمحدثين والأصوليين هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فالعبرة بهم، فما اختلفوا فيه فحينئذٍ لو اتفق بعدهم من اتفق حينئذٍ نقول: هذا لا يرفع الخلاف.
وإذا أجمعوا على حكم ما، فحينئذٍ لو حصل خلاف بعده ما حصل فلا يلتفت إليه البتة، فدائماً بحث المسائل نقول للطلاب: أن تنظروا ابتداء في عصر الصحابة، وهذا فيمن تجاوز حد المبتدئ والمتوسط، وأما المبتدئ والمتوسط هذا يبتدئ بالمذاهب الأربعة، وأما إذا تمكن وأراد أن يبحث المسائل فحينئذٍ يرجع إلى الكتاب والسنة والنظر في أقوال الصحابة.
{الْمَذَاهِبُ لاَ تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ عَنْ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَاخْتَارَهُ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً وَإِجْمَاعًا، وَيَرْفَعُ الْخِلافَ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَالرَّازِيُّ وَأَتْبَاعُهُ وَغَيْرُهُمْ. مِنْهُمْ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ وَالإِصْطَخْرِيُّ وَابْنُ خَيْرَانَ وَالْقَفَّالُ الْكَبِيرُ وَابْنُ الصَّبَّاغِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاخْتَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ}.
والصواب هو الأول الذي قدمه المصنف، للعلة السابقة؛ لأن خلافهم معتبر.
قال البرماوي: قيل والحق في المسألة أنه إجماعٌ ظني لا قطعي، وإليه يشير كلام إمام الحرمين، وعن الحنفية أنه من أدنى مراتب الإجماع.
والصواب: أنه لا يُعد إجماعاً؛ لأن الخلاف السابق معتبر، فاتفاقهم يكون ترجيحاً وكثر قائلوه .. يكون ترجيحاً لأحد القولين على القول الآخر ويكون حينئذٍ كثر القائلون به في ذلك الزمن.
(وَإِلاَّ فَإجْمَاعٌ) يعني: وإن لم يستقر الخلاف. يعني: محط النظر هنا في هل يكون إجماعاً أو لا؟ استقرار الخلاف.
إن استقر الخلاف يعني: ثبت، فحينئذٍ لا يكون إجماعاً، وإن لم يستقر الخلاف .. هذا يتصور في أهل العصر أنفسهم.
يعني: لو اختلف الصحابة في مسألة ما، ولا زال الزمن قريباً، ثم اتفقوا على قول واحد، حينئذٍ نقول: أجمعوا ولم يستقر الخلاف.
﴿وَإِلاَّ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَقَرَّ الْخِلافُ فِي الْعَصْرِ الأَوَّلِ فَاتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ الثَّانِي إجْمَاعٌ قَطْعًا﴾ وهذا قول الجمهور من الأصوليين.