ومحله كتب المنطق، إذاً: التصور قد يكون ضرورياً وقد يكون نظرياً، والتصديق قد يكون ضرورياً وقد يكون نظرياً، وهذا له فصل خاص في المنطق، وإنما تُذكر نبذة هنا من جهة العموم.
قال رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: الْعِلْمُ لاَ يُحَدُّ فِي وَجْهٍ).
(فَصْلٌ) أراد بهذا الفصل بيان العلم، يعني: عقد هذا الفصل لبيان العلم، قيل: سمي العلم علماً لأنه علامة يهتدي بها العالم إلى ما قد جهله الناس، وهو كالعلَم المنصوب في الطريق.
العلم: هو حقيقة من الحقائق ولا شك، هل يُحد أم لا؟
عرفنا أن الحد من قبيل التصورات، وأن العلم مفرد، فكل حقيقة من الحقائق الأصل فيها أنها تعرَف بحد، يعني: لا بد من حد يميزها عن غيرها، لكن اختلفوا في العلم على جهة الخصوص لأمر يأتي ذكره، هل يُحد العلم أو لا؟ هل يعرّف أم لا؟
وهذا من فضول العلم، فالعلم من حيث هو معلوم الإدراك، فالعلم عِلم، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعدما ذكر تعاريف للمحبة وأوصلها إلى العرشين قال: المحبة هي المحبة، يعني اللفظ يدل على معناه، والعلم هو العلم، الكل يعرف ما معنى العلم، فلا نحتاج إلى تعريفه.
(الْعِلْمُ لاَ يُحَدُّ فِي وَجْهٍ)، وسبق أن المصنف إذا قال: في وجه. فالمُقدَّم غيره (وَمَتَى قُلْتُ: فِي وَجْهٍ، فَالْمُقَدَّمُ غَيْرُهُ) فحينئذٍ المعتمد ما هو؟ أنه يحد.
قال: (الْعِلْمُ لاَ يُحَدُّ فِي وَجْهٍ).
قال أبو المعالي والغزالي: ﴿لِعُسْرِهِ وَيُمَيَّزُ بِتَمْثِيلٍ وَتَقْسِيمٍ﴾.
والتمثيل والتقسيم من أنواع التعاريف، حينئذٍ الإشكال في ماذا هنا؟ لنعرف محل النزاع، محل النزاع هنا أنه لا يمكن تعريف العلم بالحقيقة، يعني الحد الحقيقي، وأما تصويره بالحد النسبي، أو الرسم بالتمثيل أو التقسيم فهذا متفق عليه .. لا نزاع فيه، فمحل النزاع التصور بالحقيقة لا مطلق التصور.
قال أبو المعالي: لا يحد لعسره، يعني: لا يحصل إلا بنظر دقيق لخفائه.
لعسره يعني: يفهم منه أنه يمكن أن يحد لكن فيه شيء من العسر لخفائه، ومراده بحد حقيقي يعني: لا يحد بحد حقيقي، وأما حده بالتمثيل والتقسيم هذا لا إشكال فيه، واستُبعد ما قالاه؛ لأنهما إن أفادا تمييزاً فيعرَّف بهما، يعني: التمثيل والتقسيم إن أفادا تمييزاً فيعرَّف بهما، وإلا فلا يعرَّف بهما.
وقال الرازي: لا يحد لتعليل آخر، ليس لعسره وإنما لكونه ضرورياً يعني: يحصل بمجرد التفات النفس إليه من غير نظر واكتساب، فإذا قيل العلم، التفتت النفس إلى المعنى فلا يحتاج إلى تعريفه.
إذاً: (الْعِلْمُ لا يُحَدُّ فِي وَجْهٍ) يعني: لا يعرّف، فلا يذكر له تعريف بالحقيقة، وليس المراد نفي مطلق التصور؛ لأنه إنما يحصل بالتمثيل والتقسيم.
قال الشارح: ﴿وَقَدْ عَلِمْت مِنْ خُطْبَةِ الْكِتَابِ أَنِّي مَتَى قُلْت عَنْ شَيْءٍ فِي وَجْهٍ فَالْمُقَدَّمُ وَالْمُعْتَمَدُ غَيْرُهُ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا, وَالأَكْثَرُ أَنَّهُ يُحَدُّ﴾ ثم اختلفوا فِي حَدِّهِ على عِبَارَات.
(وَ) ﴿الْمُخْتَارُ مِنْهَا﴾ أنه يحد بالحد الحقيقي مثل غيره من الحقائق ﴿أَنْ يُقَالَ﴾ (هُوَ صِفَةٌ يُمَيِّزُ الْمُتَّصِفُ بِهَا تَمْيِيزًا جَازِمًا مُطَابِقًا).