قال الإسنوي: وقد اعتمد الشافعي على هذا الدليل في إثبات الأحكام إذا كان الأقل جزءاً من الأكثر ولم يجد دليلاً غيره، بهذا القيد: ولم يجد دليلاً غيره؛ فإن وجد دليلاً حينئذٍ لا يتمسك بالأقل، ولذلك قيل: إذا دل الدليل على الزيادة أقوى من البراءة الأصلية فلا يأخذ الشافعي بالأقل مطلقاً.
ولهذا قيل: لما اختلف في العدد الذي تنعقد به الجمعة وقيل: أربعون. وقيل: ثلاثة. هل قال الشافعي بالثلاثة؟ لم يقل بالثلاثة؛ لوجود الدليل الدال على أربعين عندهم.
حينئذٍ ليس مطلقاً كلما وجد أكثر وأقل أخذ الشافعي بالأقل، بل إذا لم يدل الدليل أخذ بالأقل، فإن دل الدليل على الأكثر اعتمده، ولذلك لما اضطرب في أقل ما تنعقد به الجمعة قيل: أربعون وقيل ثلاثة فلم يأخذ الشافعي بالأقل؛ لأنه وجد في الأكثر دليلاً أقوى من البراءة الأصلية.
ولذلك: قول الإسنوي هنا معتمد، وقد اعتمد الشافعي على هذا الدليل في إثبات الأحكام إذا كان الأقل جزءاً من الأكثر، وهذا واضح، ولم يجد دليلاً غيره. فإن وجد دليلاً دالاً على الأكثر اعتمده.
فلو دل الدليل عنده على أن دية الكتابي هي الكل كالأحناف أخذ به، ولم يأخذ بالأقل وهو الثلث.
وكذلك لو دل الدليل على أن دية الكتابي النصف؛ لأخذ به ولم يقف مع الثلث.
وقيل: يأخذ بالأكثر ليُعلم براءة الذمة، ورُد ذلك بأن محله حيث يُعلم شغلها ولم يُعلم الزائد.
إذاً: ليس الأخذ بالأقل يعتبر تمسكاً بالإجماع، ولو كان الأقل متفقاً عليه، ولذلك قال: (لا الْأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ) فلا يكون إجماعاً البتة .. فلا يكون متمسكاً بالإجماع وهو قول جماهير الأصوليين.
قال: (وَلَا يُضَادُّ آخَرَ) يعني: لا يقع إجماع مضاداً لإجماع آخر، فإذا حصل الإجماع فحينئذٍ لا يقع إجماع آخر مضاد للإجماع السابق، وإذا اتفقوا على التحريم فحينئذٍ لا يأتي إجماع بعده يتفقون على الإباحة مثلاً؛ لأن كلاً منهما دليل قاطع، والقطعيان لا يتقابلان.
(وَلَا يُضَادُّ) يعني: ﴿وَلاَ إِجْمَاعَ يُضَادُّ إجْمَاعًا آخَرَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لأَنَّهُ إذَا انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الأَحْكَامِ لا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ بَعْدَهُ إِجْمَاعٌ يُضَادُّهُ﴾ وهذا واضح {لاَسْتِلْزَامِ ذَلِكَ تَعَارُضَ دَلِيلَيْنِ قَطْعِيَّيْنِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَجَوَّزَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ}.
إذاً: (وَلَا يُضَادُّ آخَرَ) يعني: لا ينعقد إجماعٌ متأخر يضاد إجماعاً متقدماً، فإذا أجمع الصحابة على أمرٍ ما حينئذٍ لا يسوغ إجماع متأخر مخالفٌ لإجماع الصحابة.
(وَلَا عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ) وهذا فيه بيان لمسلك الجمهور، ومذهب الجماهير من الأصوليين والفقهاء: أنه لا يجوز حصول الإجماع إلا عن مستند شرعي، سواء عُلم نُقل أو لم يُنقل. لا بد أن يكون الإجماع مستنداً إلى دليل شرعي.
ومر معنا أن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلو لم يكن مستنداً إلى دليلٍ شرعي من كتاب أو سنة، فحينئذٍ قد استند ما لا يُعتمد في الشرع؛ لأن الوحي قد انقطع، فإذا كان كذلك فلا بد أن يكون معتمداً على كتاب أو سنة.