(مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ فِي عَصْرٍ) نكَّره هنا قال: (عَصْرٍ) ولم يقل: في العصر .. نكَّره لئلا يظهر فرقٌ بين عصرٍ وعصر، فكأن الحكم للقدر المشترك بين العصور. هذا بناء على أن الإجماع يكون في جميع العصور.
(فِي عَصْرٍ) أي عصر كان، يعني: يشمل عصر الصحابة، وعصر التابعين إلى أن تقوم الساعة؛ احتراز عن قول من قال: إن الإجماع مخصوص بالصحابة؛ لأن المصنف لا يرى ذلك، وإن كان الصحيح أن الإجماع خاصٌ بزمن الصحابة كما سيأتي، لكن على كلام المصنف لا يرى ذلك.
ويُخرج توهم اجتماع كلهم في جميع الأعصار إلى يوم القيامة. وهذا لا وجود له، بل يكفي وجوده في عصرٍ ثم يصير حجة عليهم وعلى من بعدهم.
(فِي عَصْرٍ) قال: (عَلَى أَمْرٍ) يعم ﴿جَمِيعَ الأمُورِ مِنْ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَالاِعْتِقَادَاتِ وَالسُّكُوتِ وَالتَّقْرِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ﴾.
قوله: (أَمْرٍ) هذا نكرة، وحينئذٍ يصدق على الأمر الدنيوي والأمر الديني، فلا يختص الإجماع على المشهور بالأمور الشرعية، لكن لو قيده فقال: أمرٍ شرعي، لاختص حينئذٍ بالإجماع الشرعي.
(فِي عَصْرٍ عَلَى أَمْرٍ) هذا يعم الإثبات والنفي، يعني: كما أن الإجماع يكون في الإثبات يكون كذلك في النفي، فيجمعون على إثبات حكم ويجمعون كذلك على نفي حكم.
والأحكام الشرعية والعقلية واللغوية هذه كلها داخلة في قوله: (أَمْرٍ).
وهذا القيد إنما يُعتبر في تعريف الإجماع بمعناه العام، كما هو رأي جمهور الأصوليين.
وأما بمعناه الخاص، يعني: باعتباره دليلاً شرعياً حينئذٍ يقيد على أمرٍ شرعي؛ احتراز من الأمر اللغوي والعقلي والدنيوي؛ لأن الإجماع دليل شرعي، والحادثة الشرعية هي محل نظر الفقيه كما هو معلوم من محله. بخلاف غيرها من العقليات واللغويات -هذه مبحثها في فنونها-، ثم إن الإجماع على مثل هذه الأمور اللغوية والدنيوية والعقلية إن وقع أو لم يقع، فحينئذٍ هما سواء، أجمع أهل اللغة أو لم يجمعوا فالأمر سواء، أجمع أهل الكلام أو لم يجمعوا فالأمر سواء، والجهل إنما يكون جهلاً بالحكم فحسب.
وكذلك من أنكره لا يكون كفراً، يعني: من أنكر الإجماع اللغوي أو الإجماع العقلي أو إجماع المتكلمين، هذا لا يعتبر كفراً كما هو الشأن في الإجماع الشرعي، على تفصيل فيه يأتي في محله.
بل يكون جهلاً بهذا الحكم بخلاف الأمور الشرعية.
إذاً: (عَلَى أَمْرٍ) أطلق المصنف ليعم جميع الفنون سواء كانت أموراً دنيوية أو دينية، ولكن إذا أردنا الحكم الشرعي أو الدليل الشرعي: على أمر شرعي أو ديني؛ احترازاً من غيره وهو أولى.
قال: (وَلَو فِعْلاً) يعني: ولو كان الأمر المذكور المجمع عليه فعلاً، إنما أبرزه مع دخوله في مسمى الأمر للبيان والتأكيد، يعني قوله: (عَلَى أَمْرٍ) قلنا يعم جميع الأمور سواء كانت قولاً أو فعلاً.
ونص على كونه (وَلَو فِعْلاً) يعني: ولو كان الأمر المجمع عليه فعلاً، من باب التأكيد والبيان فحسب. أي: أن الإجماع كما ينعقد بالقول كذلك ينعقد بالفعل.
وكذلك -على كلام المصنف فيما يأتي-: ينعقد بقول بعضهم وفعل الآخرين. يعني: إذا فعل وتكلم الآخرون، أو فعل بعضهم وسكت الآخرون، كذلك ينعقد الإجماع كما سيأتي.