تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد يُفعل المنكر بحضور العالم، لكن لا يدل على أنه آثم، هذه مسألة أخرى، قد يكون سكوته أولى من قيامه، هذه مسألة أخرى متعلقة بالمصالح والمفاسد، لكن النظر هنا في: هل يدل على جوازه أو لا؟ نقول: لا يدل على جوازه، وإنما هو الشأن في النبي صلى الله عليه وسلم.

قال هنا: ﴿وَقَيَّدَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمَسْأَلَةَ بِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَيْهِ. وَلاَ حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ؛ لأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ وُجُوبَ إنْكَارِهِ الْمُنْكَرَ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ﴾ بخلاف العالم، بعد إخبار الله تعالى عنه بعصمته من الناس.

(فَائِدَةٌ) ختم بها ما يتعلق بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

(التَّأَسِّي) ﴿بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ﴾ الوارد في قوله تعالى: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)) [الأحزاب:21] ما المراد بالتأسي؟ أُسوة فُعلة.

قال: (فِعْلُك كَمَا فَعَلَ لِأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَ) وكذا الترك.

(فِعْلُك كَمَا فَعَلَ لِأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَ) يعني: دون سؤال ودون تفصيل، والتفسير هذا يهدم كل ما سبق؛ لأن التأسي مأمور به ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ)) [الأحزاب:21] فدل على أنه مندوب إليه، وأنه مشروع، وأن الشريعة جاءت بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً دون تفصيل.

ما هو التأسي؟

قال: (فِعْلُكَ) أنت .. أن تفعل (كَمَا فَعَلَ لِأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَ) فدخل الجبلّي ودخل المحتمِل، ودخل ما كان بياناً.

قال: ﴿وَأَمَّا التَّأَسِّي فِي التَّرْكِ: فَهُوَ أَنْ تَتْرُكَ مَا تَرَكَهُ، لأَجْلِ أَنَّهُ تَرَكَهُ﴾.

يعني: ليس لك علة إلا فعله صلى الله عليه وسلم، وهذا شأن الصحابة، ما كانوا يستفسرون، ولذلك نص الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى على أن السؤال: هل المراد بالأمر أمر إيجاب أو ندب؟ يقول: هذا السؤال بدعة، لم يكن من فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإنما جعل ذلك العلماء من أجل ضبط الأحكام الشرعية لمن ترك شيئاً، فإذا ترك قال: أنا تركت كذا كذا هل عليّ شيء؟ نقول: ليس عليك شيء، لا توبة ولاضمان.

وأما أن يكون ابتداء ليس الشأن شأن المسلمين ذلك، أن يفصّل وإنما يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم فيفعل مباشرة، ولا يسأل هو سنة واجب إلى آخره، لكن الله المستعان.

قال: ﴿وَأَمَّا التَّأَسِّي فِي التَّرْكِ: فَهُوَ أَنْ تَتْرُكَ مَا تَرَكَهُ -صلى الله عليه وسلم- لأَجْلِ﴾ فقط. علة الترك فقط، لا لكونه محرماً أو كراهة تنزيه ﴿لأَجْلِ أَنَّهُ تَرَكَهُ﴾.

وفي نسخة: وكذا الترك، وهذا في الفعل وتركه.

قال: (وَفِي الْقَوْلِ فَامْتِثَالُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ) إن كان إيجاباً فهو واجب، وإن كان مندوب فهو مندوب.

(وَإِلاَّ) ﴿وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي الْكُلِّ فهُوَ﴾ (مُوَافَقَةٌ لاَ مُتَابَعَةٌ).

يعني: فرّق بين الموافقة لا المتابعة.

{لأَنَّ الْمُوَافَقَةَ الْمُشَارَكَةُ فِي الأَمْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَجْلِهِ.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٥٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٥٨٤