قال: (وَمَا صَحَّ مِنْهُ حُجَّةٌ)، (مَا صَحَّ مِنْهُ) يعني: من الشاذ .. مما لم يتواتر، إذا صح فحينئذٍ يعتبر حجة، إجراءها مُجرى الآحاد، يعني في الاحتجاج بها لأنه منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا يلزم من انتفاء خصوص قرآنيته انتفاء عموم خبريته.
يعني فيما سبق .. في كونه قرآن أم لا، إذا نفينا كونه قرآناً وقد صح سنده ولم يوافق مصحف عثمان، حينئذٍ نقول: ارتفع كونه قرآناً، وهل يلزم من عدم إثبات صفة القرآنية ارتفاع صفة الخبرية مطلقاً؟ قال: لا؛ لأن هذا منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم قطعاً، إما أن يكون قرآناً وإما أن يكون خبراً، انتفى الأول يبقى الثاني.
فاختلف العلماء في القراءة الغير المتواترة -الشاذة- هل هي حجة في الأحكام الشرعية أو لا على قولين.
اختار المصنف أنها حجة؛ لأنه يخبر أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن قرآناً فهو خبر، وهذا ﴿عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْبُوَيْطِيُّ فِي بَابِ الرَّضَاعِ﴾ أنّه يعتبر {وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ.
وَاحْتَجَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَطْعِ يُمْنَى السَّارِقِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا نُقِلَ عَنْ مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ.
وَقَالُوا: لأَنَّهُ إِمَّا قُرْآنٌ أَوْ خَبَرٌ، وَكِلاهُمَا مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ}.
إذاً: إذا لم يثبت كونه قرآناً حينئذٍ يُعمل به في باب الفروع، بمعنى أنه يُحتج به في إثبات الأحكام الشرعية.
قال هنا: والمذهب الثاني أنه ليس بحجة، لأنه خطأ قطعاً؛ لأنه نقله على أنه قرآن، وقرأه على أنه قرآن، قالوا: والقرآن لا ينقله الواحد، بل لا بد من تبليغ طائفة من الأئمة تقوم الحجة بنقلهم. يعني: التواتر، فاحتمل أن يكون مذهب له، واحتمل أن يكون خبراً ومع التردد لا يُعمل به.
فبطل كونه قرآناً لأنه نقله على أنه قرآن، فانتفى شرط ثبوت كونه قرآناً وهو التواتر، ثم لما وقع التردد فيه، فحينئذٍ نقول: إذا ورد الاحتمال -إلى الدليل- بطل به الاستدلال.
وهذا القول نقل عن الإمام الشافعي، وهو رواية مشهورة عن مالك رحمه الله تعالى، ورواية عن الإمام أحمد، وصحح هذا القول الآمدي وابن الحاجب والنووي وابن السمعاني، على أنه لا يحتج به، والصواب أنه يعتبر حجة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما قولكم: إما أن يكون نقله قرآناً أو خبراً، تردد هذا. ابن القيم له وجه آخر معتبر، لو تأمله الطالب وجد أنه حسناً.
وهو أنه يقول: قلتم: إما أن يكون نقله قرآناً أو على أنه خبر، قال قلنا: بل قرآناً صريحاً.
قولكم: فكان يجب نقله متواتراً، قلنا: إذا نُسخ لفظه أو حكمه.
بمعنى أنه لا يشترط كونه متواتراً إلا إذا لم يُنسخ لفظه أو حكمه، حينئذٍ يرى ابن القيم أن ما نقله ابن مسعود ولم يثبت كونه قرآناً هو قرآن منسوخ.