تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿قَالَ الله تَعَالَى: ((فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ))﴾ فالمسموع ما هو؟ كلام الله، والذي تكلم به بحرفه هو المتكلِّم.

﴿((فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ))، وقال: ((بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ))﴾ إذاً: كونه محفوظاً لم يخرج به عن كلام الله تعالى، وكونه مكتوباً كذلك.

﴿وَفِي الْحَدِيثِ: <<لاَ تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ كَرَاهَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ>> وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا فِي الصُّدُورِ، بَلْ مَا فِي الْمُصْحَفِ﴾ وسماه قرآناً.

﴿وَأَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّ الَّذِي بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى﴾.

إذاً: لم يخرج بكونه مكتوباً عن كونه كلام الله تعالى.

قال: (وَلَمْ يَزَلْ اللَّهُ تَعَالَى مُتَكَلِّمًا) من صفات الباري جل وعلا: صفة الكلام، صفة لائقة به سبحانه.

قال: (وَلَمْ يَزَلْ اللَّهُ تَعَالَى مُتَكَلِّمًا) ﴿بِكَلامٍ يَقُومُ بِهِ﴾ يعني: الكلام صفة قديمة النوع حادثة الآحاد، (لَمْ يَزَلْ) يعني: تكلم جل وعلا في الأزل، ولا زال كلامه صفة له جل وعلا.

﴿بِكَلامٍ يَقُومُ بِهِ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ، وَأَنَّ نَوْعَ الْكَلامِ قَدِيمٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصَّوْتُ الْمُعَيَّنُ قَدِيمًا. وَهَذَا الْقَوْلُ: هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ﴾.

(كَيْفَ شَاءَ) يعني: لم يزل الباري متكلماً كيف شاء وإذا شاء ومتى شاء (بِلَا كَيْفٍ) بلا كيفٍ يعني: بلا علمٍ مِنَّا بالكيفية، وليس المراد نفي الكيفية؛ لأنه ما من صفة إلا ولها كيفية خاصة بها، لكن المراد من كلام السلف: بلا كيف. ليس المراد نفي الحقيقة .. الكيفية للصفة لا، وإنما مرادهم: نفي العلم بالكيفية، كما قال مالك رحمه الله تعالى: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.

الكيف مجهول، والجهل بالكيفية لا يستلزم عدم الكيفية في أصلها، وإنما الكلام هنا في العلم.

(بِلَا كَيْفٍ) أي: بلا علم مِنَّا للكيفية لا نفياً لها، يأمر بما شاء ويحكم، وهذا قول أهل السنة وأئمة الحديث.

﴿فَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ﴾ وكل صفة تعلقت بالمشيئة فهي صفة فعلية، ﴿وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ قَدِيمَ النَّوْعِ﴾ وهذا باعتباره يكون صفة ذاتياً.

{بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ. فَإِنَّ الْكَلامَ صِفَةُ كَمَالٍ، وَمَنْ يَتَكَلَّمُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لاَ يَتَكَلَّمُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ، وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِحُرُوفِ الْقُرْآنِ، وَأَسْمَعَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْمَلائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ صَوْتَهُ.

وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: نَصَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ: أَنَّ كَلامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ} وهذا محل إجماع بين السلف.

{وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ وَمَتَى شَاءَ بِلاَ كَيْفٍ.

قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُهُ: إِذَا شَاءَ، أَيْ أَنْ يُسْمِعَنَا.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٥٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٥٤٥