والمراد بالإعجاز هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمر أن يتحداهم بما جاء به، فيقول: هل تقدرون أن تأتوا بمثل ما قلته، فحينئذٍ يُعجز عن ذلك، وقد أعجزهم ذلك القول فهو معجز.
وقيل: المراد إظهار صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعواه الرسالة مجازاً عن إظهار عجز المرسَل إليهم عن معارضته.
يعني: هو آية دالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعواه الرسالة، وهو كذلك، ولا إشكال فيه.
إذاً: (مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ) ليس فيه قصر وحصر علة إنزال القرآن في كونه معجزاً فحسب، وإنما هو معجز وشيء آخر وهو مقصود به وهو العمل بما نزل من أجله.
﴿دَلِيلُ التَّحَدِّي بِهِ، قَولُهُ تَعَالَى: ((قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ))﴾.
((لاَ يَأْتُونَ)) نكرة في سياق النفي فتعم.
يأتون هذا فعل مضارع، والفعل المضارع منسبك من زمن ومصدر، ومصدر نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم.
إذاً ((لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)) أيَّ إتيان كان.
قال: {أَيْ: فَأْتُوا بِمِثْلِهِ، إِنِ ادَّعَيْتُمْ الْقُدْرَةَ، فَلَمَّا عَجَزُوا تَحَدَّاهُمْ بِعَشْرِ سُوَرٍ فَقَالَ تَعَالَى: ((قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ)).
فَلَمَّا عَجَزُوا تَحَدَّاهُمْ فَقَالَ تَعَالَى: ((قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ)) أَيْ: مِنْ مِثْلِ الْقُرْآنِ}. انظر! هذا تَنزُّل، ((لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)) يعني: بالقرآن، فلما عجزوا تحداهم بعشر سور، فلما عجزوا تحداهم بسورة ((قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ)) أي: مثل القرآن.
﴿فَلَمَّا عَجَزُوا تَحَدَّاهُمْ بِدُونِ ذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى: ((أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ))﴾ حديث، والحديث يصدق على الآية، بل ذهب بعضهم على بعض آية.
﴿((إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)) أَيْ: فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِهِ﴾.
إذاً: هو معجز بنفسه.
وَلَيْسَ فِي طَوْقِ الْوَرَى مِنْ أَصْلِهِ ... أَنْ يَسْتَطِيْعُوا سُوْرَةً مِنْ مِثْلِهِ
لَيْسَ فِي طَوْقِ الْوَرَى مِنْ أَصْلِهِ
(مُعْجِزٌ) قال: (بِنَفْسِهِ) يعني: لا بغيره.
(مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ) يعني: بذاته لا بغيره، هذا فيه رد على من قال بأنه معجز بالصِّرْفة، كيف صِرْفة؟
يعني: هم قادرون لكن الله عز وجل صرفهم، فرْق بين المسألتين: بين أن يقدروا أن يأتوا بمثله ويعجزون عن ذلك، وبين أن تكون عندهم قدرة لكن الله عز وجل صرفهم، نقول: هذا باطل، القول بالصرفة قول باطل، لماذا؟
لأنك لو جوّزت بأنهم يستطيعون ويقدرون على أن يأتوا بمثله، نقول: بمثل ماذا؟
بمثل القرآن وهو كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى صفة من صفاته، هل يمكن أن يتلبس المخلوق بصفة من صفات الباري جل وعلا؟ الجواب: لا. ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) [الشورى:11].
دل ذلك على أنهم غير قادرين أصالة، ولذلك قال: بنفسه
وَلَيْسَ فِي طَوْقِ الْوَرَى مِنْ أَصْلِهِ ... أَنْ يَسْتَطِيْعُوا سُوْرَةً مِنْ مِثْلِهِ