قال: (وَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ) يعني: ﴿وَمِنْ شَرْطِهِ أَيْضًا: أَنْ يَعْلَمَ الْمُكَلَّفُ أَنَّهُ -أَيْ: الْفِعْلُ- مَأْمُورٌ بِهِ﴾ "مأمورٌ به" يعني من جهة الشارع؛ لأنه لن يكون حكماً شرعياً إلا إذا عَلم أن الباري طلب منه هذا الفعل إما إيجاداً أو تركاً؛ لأن الحكم الشرعي: خطاب الله المتعلق بفعل المكلَّف من حيث إنه مكلّف به بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، فلا بد أن يعلم أن هذا جاء من جهة الشرع .. من جهة الباري جل وعلا.
(وَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى) يعني: ثَم أمران:
الأول: أنه مأمور به، تعلق به صيغة افعل.
ثانياً: أنه من الله تعالى، لكن قوله: من الله تعالى ليس مطلقاً، وإنما اشترطه لأن ثم بعض ما كُلِّف العبد به يشترط فيه القصد، ومر معنا الواجب باعتبار النية والقصد في وجوده وعدمه نوعان: واجب لا يصح إلا بنية، وواجب يصح بدون نية.
الواجب الذي لا يصح إلا بنية لا بد أن يَعلم شيئين: أنه مأمور، وأنه من الله تعالى، بمعنى أنه يشترط في هذا الفعل قصد الباري جل وعلا.
ولذلك قيّد ابن قدامة في الروضة هذا النوع قال: وهذا يختص -يعني: الشرط بأنه من الله تعالى- يختص بما يجب به قصد الطاعة والامتثال. يعني: النية.
وأما الواجب مطلقاً الذي لا يُشترط فيه النية هذا يكفي أن يَعلم أنه مأمور من الباري جل وعلا كصلة الأرحام، وبر الوالدين .. إلى آخره.
فإذا وقع ولو بدون النية وقع مأموراً به، يعني: وافق فيه الشرع، وأما أنه لا يقع إلا بشرط النية هذه .. ثَم زيادة أخرى، فلا بد من العلم بها.
قال: (وَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى).
{وَإِلاَّ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالاِمْتِثَالِ بِفِعْلِهِ.
وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ قَصْدُ الطَّاعَةِ فَلا يَكْفِي مُجَرَّدُهُ} يعني: مجرد كونه مأموراً به.
هذا تابع لقوله: (وَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُهُ).
﴿أَيْ مُجَرَّدُ حُصُولِ الْفِعْلِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الامْتِثَالِ بِفِعْلِهِ﴾.
لقوله تعالى: ((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) [البينة:5] فاشترط الإخلاص في العبادة.
و ﴿لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ>>﴾.
"إنما الأعمال بِالنِّيَّاتِ" يعني: صحتها، وما يصح بدون نية ليس داخلاً في النص بل هو مستثنى.
قال: (وَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُهُ).
ثم قال: (وَمُتَعَلِّقُهُ فِي نَهْيٍ كَفُّ النَّفْسِ)، (مُتَعَلِّقُهُ) الضمير هنا لا يعود إلى الفعل وإنما يعود إلى التكليف .. متعلق التكليف، قلنا التكليف: هو الخطاب بأمر أو نهي.
فحينئذٍ عندنا متعلِّق وعندنا متعلَّق، عندنا متعلِّق وهو الخطاب، ومتعلَّق يعني: متعلَّق به.
قال: (وَمُتَعَلِّقُهُ) أي: متعلق التكليف هو: الأمر والنهي، وكلاهما لا يكون إلا فعلاً كما مر، ولكن لما كان مقتضى التكليف في الأمر فعلاً بلا نزاع بين العلماء. يعني: لا خلاف أن المكلَّف به في الأمر هو الفعل، لكن مر معنا أن الاقتضاء نوعان: اقتضاء فعلٍ وهو إيجاد، واقتضاء ترك.