تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: (وَلَا بِغَيْرِ فِعْلٍ) فلا تكليف إلا بفعل، ومتعلق التكليف هو الأمر والنهي، وكلاهما لا يكون إلا فعلاً، وأما الأمر فهذا محل وفاقٍ، وأما النهي فهذا سيأتي أن فيه نزاعاً.

والله تعالى إنما يكلف العبد .. ؛ لأن المصنف قال: (بِغَيْرِ فِعْلٍ) ما المراد بالفعل هنا؟ نقول: المراد بالفعل هنا: الفعل الاختياري؛ إذ قد يقع من المكلَّف فعلٌ اضطراري أو فعلٌ قهري، فلا يتعلق به التكليف.

إذاً: (وَلَا بِغَيْرِ فِعْلٍ) إنما يكلف الله تعالى العبد بالأفعال الاختيارية، فيقيَّد النص، وهي أربعة باستقراء الشرع:

الأول: الفعل الصريح كالصلاة. هذا فعلٌ صريح .. واضح بيّن لغة وشرعاً.

الثاني: فعل اللسان. وهو القول، هل يسمى القول فعلاً؟ نعم يسمى، سواء سُمّي في اللغة أم لا؟ نقول: في الشرع يسمى. قال الله تعالى: ((زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ)) [الأنعام:112] "مَا فَعَلُوهُ" يعني: ما فعلوا هذا القول، كأنه قال: لو شاء ربك ما قالوه، فأطلق على القول الفعلَ، حينئذٍ القول فعلٌ في الشرع، سواء سُمّي في اللغة أم لا. لا يعنينا .. مسألة أخرى، نحن نبحث في ماذا؟ القول سماه الباري فعلاً، ونحن نبحث في الأحكام الشرعية.

الثالث: الترك. الترك فعلٌ.

"وَالتَّركُ فِعْلٌ فِي صَحِيحِ المَذْهَبِ".

الترك، واختلف فيه، والصحيح: أنه فعلٌ، وهو: كف النفس وصرفها عن المنهي عنه، وقيل: الترك أمرٌ عدمي لا وجود له، والعدم لا شيء، والصحيح الأول، قال الله تعالى: ((لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)) [المائدة:63] أطلق الصنع وهو أخص مطلقاً من الفعل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سماه ماذا؟ سماه صنعاً، والصنع أخص من الفعل، فهو نوع داخل تحته.

وقوله تعالى: ((كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)) [المائدة:79] ما هو الذي "لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ"؟ تركُ الأمر بالمعروف. إذاً: الترك يسمى فعلاً في الشرع، وحديث: <<المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده>> فسمى ترك الأذى إسلاماً، فالإسلام يصدق على الفعل ويصدق على الترك، فسمى ترك الأذى إسلاماً.

وقول الراجز:

لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنّبِيّ يَعْمَلُ ... لَذَاكَ مِنّا الْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ

"قَعَدْنَا" يعني: تركنا العمل، والاشتغال مع النبي صلى الله عليه وسلم في بناء المسجد

لَذَاكَ مِنّا الْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ.

إذاً: الترك عمل.

الرابع من أنواع الفعل الاختياري، وهي أربعة بالاستقراء، قلنا الرابع: العزم المصمم على الفعل، يعني القصد المؤكَّد الذي مر أنه تعريف للعزيمة في اللغة، العزم المصمم على الفعل؛ لحديث: <<إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ -لماذا المقتول في النار؟ - قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه>> والحرص عزمٌ مؤكَّدٌ.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٤٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٤٩٦