تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن قدامة: ولو قال: "أبجد هَوَّز" لم يكن ذلك تكليفاً لعدم عقل معناه.

لو قال: افعل "أبجد هَوَّز"، أو قال: "أبجد هَوَّز" ليس لها معنى، حينئذٍ كيف يمتثل بما لا يُفهم له معنى .. بما لا يعقل له معنى؟

ولو علمه الآمر دون المأمور لم يكن تكليفاً؛ إذ التكليف: الخطاب بما فيه كلفة، وما لا يفهمه المخاطب ليس بخطاب، وإنما اشتُرط فهمه ليتصور منه الطاعة؛ إذ كان الأمر: استدعاء الطاعة، فإن لم يكن استدعاء لم يكن أمراً، والمحال لا يتصور الطاعة فيه؛ لأنه غير مفهوم المعنى، يعني: لو قيل له: افعل صم لا تصم، ما هو المعنى المفهوم من هذه العبارة حتى يتوجه إليه القصد؟ ليس شيء، لا وجود له في الذهن، ليس له وجود، صم لا تصم في يوم واحد، ما مدلول هذه الجملة حتى يقصده المكلَّف؟ أين هو؟ لا وجود له.

"قم، اجلس" ما هو الواسطة بينهما حتى يتعلق به الفعل؟ هل هناك معنى؟ الجواب: لا.

إذا انتفى المعنى حينئذٍ كيف يتوجه إليه العبد بالقصد؟ صار ممنوعاً.

إذاً: المحال لذاته لا وجود له أصلاً لا في الذهن ولا في الخارج، فكيف يتصوره العبد حتى نقول: يأتي الابتلاء ويقصد ويُضمِر في نفسه أنه لو كانت عنده قدرة إلى آخره؟ هذا كلام عبث، لا وجود له البتة.

ولذلك قال: والمحالُ لا يتصور الطاعة فيه، فلا يتصور استدعاؤها، كما يستحيل من العاقل طلب الخياطة من الشجرة، هذا محال.

ثم قال: ولأن الأشياء لها وجود في الأذهان قبل وجودها في الأعيان، وإنما يتوجه إليه الأمر بعد حصوله في العقل، والمستحيل لا وجود له في العقل فيمتنع طلبه.

إذاً: الصحيح: أن المحال لذاته وإن قال الجمهور -جمهور الأصوليين- على أنه يجوز عقلاً أن يُكلف الباري جل وعلا به العبد، نقول الصحيح: أنه لا يجوز عقلاً، لماذا؟

لأنه لا وجود له، تمسك بهذا قبل وجود النص؛ لأن المسألة عقلية. ثم تأتي بالنصوص التي أوردها المصنف.

إذاً: ما المعنى الذي يُفهم من المحال لذاته؟ نقول: ليس له معنى، فحينئذٍ لا يتوجه إليه الأمر، الأمر لا بد أن يكون شيئاً مأموراً به، أين هو؟ كذلك ليس له معنى، كذلك يتعذر وجوده في الذهن فضلاً عن الخارج.

إذاً: الذي ذكره المصنف هنا إنما هي أدلة شرعية تدل على أن الباري جل وعلا لا يكلف إلا بما في طاقة المكلَّف.

﴿قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ مَا يَثْقُلُ وَيَشُقُّ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ﴾.

هذا جواب اعتراض، في الآية السابقة قال: ((رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ)) [البقرة:286] قالوا: كيف يتوجه أن يسأل ربه شيئاً الأصل أنه لا يقع؟ هذا الدليل يدل على أن الباري قد يكلف، لكن ندعو الله ألا يكلفنا.

نقول: هنا فسرتم المعنى -هذا الذي نؤكده- ((لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)) [البقرة:286] هل هو الطاقة التي يعنيها الأصوليون بالتكليف المحال أو المعنى اللغوي؟ المعنى اللغوي.

يعني: فسروا .. من حمَل هذه الآية دليلاً على جواز التكليف بالمحال، نقول: فسّرت الطاقة هنا بالمعنى الاصطلاحي، وأما المعنى الأصلي اللغوي فهذا لا يفهم منه.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٤٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٤٩٤