تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل يتوجه إلى الامتثال؟ يعني: يقصد أن يمتثل ويتأسف على عدم القدرة، ويضمر أنه لو قدر لفعل فيكون مطيعاً لله بقدر طاقته أو لا يفعل ذلك؟ فيكون في حكم العاصي. يعني: ليس عاصياً وإنما يكون في حكم العاصي؛ لأنه ترك ما أُمر به.

حينئذٍ على هذا القول بأنه يجوز عقلاً -الكلام في العقل- بأنه يجوز عقلاً أن يُكلف الباري جل وعلا العبد بما لا يطاق، والحكمة هي الابتلاء، هذا يردنا إلى ماذا؟

ما الحكمة من التشريع هل هي الابتلاء أم الامتثال؟

من عمم حينئذٍ جوز هذا الأمر، ومن لم يعمم حينئذٍ خص بالأمر الثاني.

ثم قال: وأكثر المعتزلة وبعض أهل السنة منعوا التكليف بما لا يطاق عقلاً. قالوا: لأن الله يشرع الأحكام لحكَمٍ ومصالح، والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه فهو محال عقلاً.

والخلاصة أن يقال: أن تكليف ما لا يطاق فيه ثلاثة أقوال:

الأول: يجوز عقلاً مطلقاً، وهذا اختاره الطوفي وهو مذهب جمهور الأصوليين.

ثم اختلفوا .. من أجازه عقلاً وهم الجمهور اختلفوا: مع كونه جائزاً عقلاً هل واقعٌ شرعاً أم لا؟ اختلفوا على قولين:

جمهور الجمهور على المنع .. قالوا: ليس واقعاً.

وبعضهم على قلة قالوا: هو واقع شرعاً.

إذاً: الخلاف في كون المحال أو التكليف بالمحال هل هو واقعٌ شرعاً أم لا؟ خلافٌ عند من قال بجواز التكليف بالمحال، أما من منع انتهى، هو يمتنع عقلاً ومعلوم أن الشرع لا يأتي أبداً في تشريع شيء ممنوع عقلاً، وإنما الخلاف يكون عند من جوّز التكليف بالمحال.

إذاً: اختلفوا هل هو واقعٌ شرعاً أم لا؟ على قولين:

الأول: غير واقع وهو مذهب الجمهور؛ لقوله تعالى: ((لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)) [البقرة:286].

الثاني: أنه واقعٌ، وهو مذهب كثير من المتكلمين، واحتجوا بأمر أبي لهب .. أن الله عز وجل أمره بالإيمان، وأخبره بأنه لن يؤمن ((سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ)) [المسد:3] حينئذٍ أخبره بأنه لن يؤمن وأمره بالإيمان، حينئذٍ أمره أن يعتقد أنه يجب عليه الإيمان؛ لأنه خبرُ الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا، وأمره أن يعتقد بأنه لن يؤمن، وهذان نقيضان، قال: ((سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ)) [المسد:3] حينئذٍ أوجب عليه أن يعتقد مدلول هذا النص، يعني: أنه لن يؤمن وأنه سيصلى النار، وأمره أن يؤمن.

إذاً: لا بد أن يعتقد الاعتقادين: أنه يجب عليه أن يؤمن، ويجب عليه أن يعتقد أنه سيصلى النار. أعاذنا الله وإياكم منها.

القول الثاني: لا يجوز عقلاً مطلقاً دون تفصيل، وهذا مذهب المعتزلة واختاره الغزالي.

والثالث: التفصيل:

المحال لذاته لا يجوز عقلاً، والمحال لغيره يجوز عقلاً، وهو مذهب المعتزلة .. معتزلة بغداد والآمدي، وهو الذي قدمه المصنف هنا رحمه الله تعالى وهو الصحيح: أن المحال لذاته ممنوع، وكذلك عادة ممنوعٌ.

قال الشارح هنا: ﴿وَجْهِ الْمَذْهَبِ الأَوَّلِ﴾ وهو الذي قدمه على أنه مذهب الحنابلة، وهو منعه لذاته وعادة، وجوازه بمحال لغيره قال: قوله تعالى ((لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا)) دلت الآية على اشتراط القدرة من المكلَّف فيما يكلف به من الأفعال، بل هي نص في ذلك، وعليه: التكليف بما لا يطاق ممنوع.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٤٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٤٩٢