ولذلك اختلفوا في القصر للمكي، يقصر أو لا يقصر؟ واتفقوا على الجمع، والصحيح أن المكي يجمع مع أهل عرفة لكن لا يقصر، لماذا؟ لأن السبب الجمعي أعم من سبب القصر، ما هو سبب الجمع؟ قد يكون السفر وقد يكون المرض، وزاد بعضهم: الحاجة الماسة أو الضرورة.
حينئذٍ نقول: قد يجمع وهو مقيم كالمريض، المستحاضة لها أن تجمع أو لا؟ أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وأن تجمع بين صلاتي الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء.
إذاً: هي مقيمة واحتاجت إلى الجمع لمرضها، جاز لها أن تجمع، وُجد الجمع دون السفر، أما القصر فلا، لا يوجد إلا بسفر، وأهل مكة لا شك أنهم ليسوا مسافرين إلى منى ولا عرفة ولا مزدلفة، دل ذلك على أنهم يجمعون ولا يقصرون.
المراد هنا: ﴿كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، وَكَذَا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ﴾ يباح له النطق للآية.
﴿وَكَذَا بَيْعُ الْعَرَايَا﴾ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: <<أن النبي صلى الله عليه وسلم رخّص في بيع العرايا بخمسة أوسق أو دون خمسة أوسق>> متفق عليه.
﴿وَفُهِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ﴾ يعني: حصر الآن الرخصة في الواجب والمندوب والمباح، بقي ماذا من الأحكام التكليفية؟ المحرم والمكروه.
على ما قدمه هنا قال: ﴿وَفُهِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الرُّخْصَةَ لاَ تَكُونُ مُحَرَّمَةً وَلاَ مَكْرُوهَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ>>﴾.
فلو كان المحرم يكون رخصة لأحبه الله، ولو كان المكروه يكون رخصة لأحبه الله.
إذاً: لما وَصف أن متعلَّق الرخصة محبوباً للباري جل وعلا حينئذٍ يتعلق بما شرعه الله تعالى، وأما ما لم يشرعه وما لم يأذن فيه فلا يتعلق بالرخصة، فالحرام والمكروه حينئذٍ ليس من متعلَّق الرخصة، ومن هنا نشأ الخلاف في: العاصي بسفره هل يترخص أم لا؟ عاصي بسفره، يعني: ما أنشأ السفر إلا من أجل المعصية، فهو عاصٍ بسفره وليس عاصياً في سفره. فرْق أو لا؟
عاص في سفره: يعني ذهب سياحة، الأصل فيها الإباحة. أو ذهب عمرة أو حجاً، الأصل فيه الطاعة.
هذا سفرٌ إما مباح وإما طاعة، عصى .. وقع في معصية في أثناء السفر، هذا يقال فيه: عصى في سفره يعني: وقعت المعصية في سفرٍ مباح أو مشروع له.
أما عصى بسفره يعني: ما أنشأ السفر إلا من أجل المعصية، كمن سافر للمخدرات ونحوها. نقول: هذا السفر من أصله هو آثمٌ به وهو معصية .. كله معصية.
حينئذٍ السفر قد يقع طاعة، وقد يقع مباحاً، وقد يقع معصية -محرمة يعني-، وقد يقع مكروهاً.
ولذلك ثم رواية الإمام أحمد أن السفر للنزهة يعتبر مكروهاً.
إذاً: على هذا نشأ هذا الخلاف الذي يذكره الفقهاء.
وظاهر كلام الشافعية: أن الرخصة تكون في الحرام والمكروه، وزاد بعضهم: خلاف الأولى كالفطر لمن لم يتضرر بالصوم، قالوا: خلاف الأولى هذا.
ومثلوا الأول -الرخصة تكون في الحرام-: بالاستنجاء بالذهب والفضة، قالوا: أجزأه مع أن الاستعمال محرَّم، والاستنجاء بغير الماء رخصة، وأجيب بأن له جهتين، والتحريم من جهة مطلق الاستعمال لا من خصوص الاستنجاء الذي هو رخصة.