تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن تعذر الجمع وعُلِم التاريخ فالمتأخر هو الناسخ والمتقدم هو المنسوخ، فإن لم يُعلم التاريخ ولا يمكن الجمع فحينئذٍ نقول: هنا الوقف، ويتوقف هو في نفسه، وأما غيره فله أن يقدم ويؤخر، يعني: ليس عندنا حكم شرعي هو الوقف من حيث هو، يعني: ليس ثم مسألة الحكم فيها الوقف، هذا لا وجود له؛ لأنه ما من حادثة إلا ولله تعالى فيها حكمٌ علمه من علمه وجهله من جهله.

فإذا توقف المجتهد فحينئذٍ هذا حكم خاص به، وهو مذهب كما مر معنا ويُفتي به .. يقول: أتوقف، الله أعلم، لا أدري .. يجوز له أن يُفتي.

ولكن هل هو حكم شرعي؟ الجواب: لا. ليس حكماً شرعياً.

هل هذا متعين في الجميع؟ الجواب: لا؛ لأنه لو قيل: يتعين في الجميع لزم منه لازم فاسد وهو أن هذه الحادثة خلت عن حكم الله تعالى، وهذا باطل، ليس ثم حادثة قديمة أو نازلة إلا ولله تعالى فيها حكم علمه من علمه وجهله من جهله.

إذاً: على قوله: ﴿إِنْ كَانَ الْمُعَارِضُ مُسَاوِيًا﴾ قال ﴿الْوَقْفُ﴾ ليس ابتداء وإنما لعلَّه اختصر القواعد المعهودة هنا عند التعارض.

﴿وَانْتَفَتْ الْعَزِيمَةُ﴾ لأنه لم يسلم من معارضٍ مساوٍ، فحينئذٍ لزم الوقف على كلامه إذا لم يتمكن من الجمع وإذا لم يُعلم التاريخ توقَّف فيه.

هل نسمي الدليل الذي عورض عزيمة أو الحكم الشرعي عزيمة؟ الجواب: لا؛ لأن شرط العزيمة أن تخلو عن المعارض، وهذا لم يخلو عن المعارض فانتفى عنها وصف العزيمة، لكن هل له وجود في الشرع؟

إن كان باعتبار المجتهد فنعم له وجود، وأما باعتبار الشرع في نفسه فليس له وجود البتة، وإنما هذا من باب التقعيد والتأصيل، ماذا يفعل المجتهد؟

قال: ﴿وَانْتَفَتْ الْعَزِيمَةُ وَوَجَبَ طَلَبُ الْمُرَجِّحِ الْخَارِجِيِّ، وَإِنْ كَانَ﴾ الدليل المخالف ﴿رَاجِحًا﴾ ماذا نصنع؟ نقدم الراجح على المرجوح.

لذلك قال: ﴿لَزِمَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ﴾ فحينئذٍ الحكم الثابت بدليل شرعي إذا عارضه معارض راجح يعني: لم يسلم من المعارضة وعارضه معارض راجح صار الحكم السابق منفياً عنه وصف العزيمة.

ولذلك قال: ﴿لَزِمَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ وَانْتَفَتْ الْعَزِيمَةُ، وَثَبَتَتْ الرُّخْصَةُ﴾ لأنها ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح.

إذاً: قوله: (خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ) احترازاً عن المساوي، فالوقفُ وانتفت العزيمة عن الموصوف .. الحكم الشرعي السابق.

إن كان راجحاً خرج عن وصف العزيمة فصار رخصة؛ لأن الرخصة ما هي؟ ما ثبت على خلاف دليل شرعي لكن لمعارض راجح.

إذاً: ثم قسمان يردان هنا.

(خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ) استثنى المساوي، فالوقفُ وانتفت العزيمة.

(خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ) فصار المعارض راجحاً، حينئذٍ ثبتت الرخصة وانتفت العزيمة.

قال: ﴿كَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَخْمَصَةِ﴾ يعني: المجاعة ﴿فَالتَّحْرِيمُ فِيهَا عَزِيمَةٌ﴾ ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)) [المائدة:3] حينئذٍ نقول: لم توجد مخمصة .. ليس ثم مجاعة، ما الحكم هنا؟ التحريم، ما وصفه؟ عزيمة، لماذا؟ لأن هذا غير مضطر وليس عنده موجب يقتضي الإقدام على هذا المحرم، وحينئذٍ نقول: هذه عزيمة ولا إشكال فيها.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٤٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٤٧١