تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ترك الأولى مر معنا: أن ما نهى الشارع عنه نهياً غير جازم، فإما أن يكون مخصوصاً أو لا، فالأول يسمى المكروه، إذا كان النهي مخصوصاً سمي مكروهاً، وإذا كان النهي غير مخصوص سمي خلاف الأولى.

وهذا ليس شائعاً عند كثير من الأصوليين، خلاف الأولى إنما زاده الشافعية، والفرق بين المكروه وخلاف الأولى: أن خلاف الأولى لم يرد فيه نص خاص بالنهي عنه، وإنما ورد الأمر بضده على سبيل الندب، والأمر بالشيء ندباً نهيٌ عن ضده نهيَ خلاف الأولى.

الأمر بالشيء وجوباً نهيٌ عن ضده نهيَ تحريم. قاعدة، سيأتي معنا في مبحث الأمر.

الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده. الأمر بالشيء أمر إيجاب، نهي عن ضده نهي تحريم. إذاً: هذا في باب الواجب .. الأمر الجازم.

قلنا القاعدة نفسها في باب الندب، الأمر بالشيء ندباً نهيٌ عن ضده نهيَ خلاف الأولى، إذاً: جاء من حيث الاستلزام، لم يرد فيه نص خاص وإنما جاء الأمر بضده، كالأمر بصلاة الضحى .. جاء الأمر بصلاة الضحى يعني: أمر ندب، يلزم منه النهي عن تركها، لكن هل ورد نهي عن ترك صلاة الضحى؟ لم يرد.

لكن بمجرد الأمر بصلاة الضحى يستلزم النهي عن تركها تركَ خلاف الأولى.

وأما الكراهة فهي مما ورد فيه نص مصرِّح بالنهي عنه نهياً غير جازم، كحديث: <<إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين>> فالجلوس قبل الصلاة مكروه؛ لورود النهي صريحاً عنه بخصوصه.

هذا عند التمييز بين النوعين، ويصح إطلاق المكروه على خلاف الأولى فيعم النوعين، ويطلق المكروه على ترك الأولى.

(وَهُوَ) أي: ترك الأولى (تَرْكُ مَا فِعْلُهُ رَاجِحٌ) ترك صلاة الضحى وفعلها راجح، راجح على ماذا؟ على تركها.

(أَوْ عَكْسُهُ) ﴿وَهُوَ فِعْلُ مَا تَرْكُهُ رَاجِحٌ عَلَى فِعْلِهِ﴾ بالعكس.

إذاً: قد يتعلق خلاف الأولى بالترك وبالفعل، بالترك متى؟ إذا كان ترك ما فعله راجح، وفي العكس ﴿وَهُوَ فِعْلُ مَا تَرْكُهُ رَاجِحٌ عَلَى فِعْلِهِ﴾.

(وَلَوْ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ كَتَرْكِ مَنْدُوبٍ)، (وَلَوْ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ) يعني: عن الترك، يعني: لم يرد نص خاص بالنهي عن الترك.

(كَتَرْكِ مَنْدُوبٍ) جاء الشرع بالأمر به.

فترك الأولى مشارك للمكروه في حده، إلا أنه نهي غير مقصود، والمنع من المكروه أقوى من المنع من خلاف الأولى، لا شك؛ لأن ما جاء النص وتخصيصه بالنهي مقدم على ما لم يرد كذلك.

قال بعضهم: إنما يُقال ترك الأولى مكروه إذا كان منضبطاً كالضحى وقيام الليل، وما لا تحديد له ولا ضابط من المندوبات لا يسمى تركه مكروهاً -هذا أخص من مطلق القول السابق-، وإلا لكان الإنسان في كل وقت ملابساً للمكروهات الكثيرة، من حيث إنه لم يقم ليصلي ركعتين أو يعود مريضاً ونحوه.

﴿قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَتُطْلَقُ الْكَرَاهَةُ فِي الشَّرْعِ بِالاشْتِرَاكِ عَلَى الْحَرَامِ﴾ وهذا واضح ﴿وَعَلَى تَرْكِ الأَوْلَى، وَعَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ﴾ وهذا الثالث.

﴿وَقَدْ يُرَادُ: مَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَتَرَدُّدٌ﴾.

فيسمى مكروهاً، وهذه قاعدة عند بعض الفقهاء، وهي قاعدة لا بأس بها: <<الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات>>.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٤٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٤٤٧