إذاً: الشخص الواحد يجتمع فيه ثوابٌ وعقاب من جهتين: من جهة فعل الحسنات يثاب، ومن جهة فعل السيئات يعاقب على ذلك إن مات ولم يتب، ولم يعف الله تعالى عنه.
ثم قال: (وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ بِالنَّوْعِ مِنْهُ وَاجِبٌ وَحَرَامٌ كَسُجُودٍ لِلَّهِ وَلِغَيْرِهِ).
الوحدة التي تعرض لها الأصوليون في هذا المقام ثلاثة أقسام:
الأولى: الوحدة بالجنس.
الثاني: الوحدة بالنوع.
الثالث: الوحدة بالعين.
هذا على ما مر سابقاً: جنسٌ ثم نوعٌ ثم شخص، يعني: جزئي.
فالجنس أعم، ثم تحته النوع وتحته أفراد، ثم بعد ذلك يأتي الجزئي وهو الشخصي.
أما الوحدة بالجنس والنوع، فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما حراماً وبعضها حلالاً؛ لأن الجنس تحته أنواع، وهي مختلفة بالحقائق، والنوع تحته أفراد لكنها متفقة بالحقائق، لا مانع شرعاً وكذلك عقلاً أن يكون بعض أفراد الجنس حرام وبعضها حلال، ولذلك الخنزير .. الحيوان هذا جنس، تحته البعير والخنزير، الخنزير أكله حرام، والبعير أكله مباح، فاجتمعا.
حينئذٍ نقول: هذان نوعان دخلا تحت الجنس، وأحدهما محرم والآخر مباح.
النوع: كأن يكون فعلاً واحداً، لكنه يتعدد، ومثّل له المصنف هنا بالسجود، فالسجود قد يكون لله تعالى وقد يكون لغيره، حينئذٍ إذا كان لله فهو طاعة وإيمان، وإذا كان لغيره فهو كفرٌ. لماذا؟ لكونه واحداً بالنوع ثم هو يتعدد، ولا مانع شرعاً ولا عقلاً أن يوصف بعض الأفراد بالتحريم، والبعض الآخر بالإباحة.
قال: (وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ) إذاً: الوحدة بالجنس أو النوع، فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما حراماً وبعضها حلالاً، بخلاف الوحدة بالعين يعني: الجزئي، فلا يمكن أن يكون فيها بعض الأفراد حراماً وبعضها حلالاً.
قال هنا: (وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ بِالنَّوْعِ) مثّل له بالسجود.
﴿كَالسُّجُودِ مَثَلاً﴾ السجود هذا نوع، يعني: كليٌ مقول على كثيرين لكنها متفقة في الحقائق، ليست مختلفة، فالسجود شيء واحد فيسجد لله عز وجل، ثم يسجد لغيره، ولغير الله تعالى ما لا حصر له، حينئذٍ هو شيءٌ واحد، إن سجد لله تعالى فهو طاعة، وإن سجد لغيره مطلقاً فهو كفرٌ وهو مخرجٌ من الملة.
﴿كَالسُّجُودِ مَثَلاً مِنْهُ وَاجِبٌ﴾ يعني: مشروع وطاعة، يعني: ليس كل سجود يكون واجباً، بل قد يكون مسنوناً كسجود الشكر مثلاً.
(وَحَرَامٌ) ﴿وَمِنْهُ حَرَامٌ، كَسُجُودٍ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى﴾ هذا الواجب ﴿وَسُجُودٍ لِغَيْرِهِ كَالصَّنَمِ﴾ هذا حرام.
عبّر هنا حرام بالمعنى الأعم وإلا الأصل أنه كفر؛ لأن من سجد لغير الله تعالى كفر ولو لم يقصد، فلا يشترط القصد إلا عند المعتزلة ومن نحا نحوهم، وإلا فالسجود عبادة لله تعالى، وإذا كان كذلك فحينئذٍ صرفُها لغير الله تعالى يعتبر شركاً أكبراً بدون تفصيل، بمجرد السجود لغير الله حينئذٍ نقول: قد وقع في الشرك الأكبر.
إذاً: ﴿كَسُجُودٍ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَسُجُودٍ لِغَيْرِهِ كَالصَّنَمِ لِتَغَايُرِهِمَا بِالشَّخْصِيَّةِ، فَلاَ اسْتِلْزَامَ بَيْنَهُمَا﴾ لأنه نوع واحد وهو اسم السجود.