تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما اشترط الحنفية النية لم يدخل في حده متروك كلُّها، وليس الوضوء عندهم بعبادة لصحته عندهم بلا نية. صار الوضوء ليس عبادة لأنه يجوز أو يصح بدون نية.

إذاً: ثَمَّ خلاف في مفهوم العبادة والطاعة.

قال: (وَالطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الأَمْرِ) يعني: لا الإرادة، خلافاً للمعتزلة، الأمر المراد به ماذا ﴿فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وِفَاقِ الأَمْرِ بِهِ﴾ يعني: ما أمر الله تعالى به، على مذهب أهل السنة.

(وَالْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَتُهُ) ﴿أَيْ: مُخَالَفَةُ الأَمْرِ﴾ لا مخالفة الإرادة كما قاله المعتزلة، وإنما مخالفة الأمر ﴿ُخَالَفَةُ الأَمْرِ بِارْتِكَابِ ضِدِّ مَا كُلِّفَ بِهِ﴾.

ما أمر الله تعالى به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فامتثله المكلَّف حينئذٍ سمي طاعة، وإن خالف ولم يمتثل سُمِّي معصية، وذكر المسألة هنا رداً على المعتزلة القائلين بأن الطاعة هي: موافقة الإرادة، والإرادة عندهم مستوية، يعني: ليس بينها فرق، لا إرادة كونية ولا دينية. وكذلك المعصية عندهم: مخالفة الإرادة مطلقاً.

قال: (وَكُلُّ قُرْبَةٍ طَاعَةٌ، وَلَا عَكْسَ) إذاً: فرقٌ عند المصنف بين .. ، العبادة هي الطاعة، ولا يُشترط فيها النية، ثم ما اشتُرِط فيه النية يسمى قربة، فكل قربة طاعة ولا عكس، لماذا؟ لاشتراط النية في القربة دون الطاعة.

قال: (وَكُلُّ قُرْبَةٍ) ﴿وَهِيَ مَا قُصِدَ بِهِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَفْقِ أَمْرِهِ أَوْ نَهْيِهِ﴾ (طَاعَةٌ) فهي أخص، (وَلاَ عَكْسَ) ﴿أَيْ: وَلَيْسَ كُلُّ طَاعَةٍ قُرْبَةً، لاِشْتِرَاطِ الْقَصْدِ فِي الْقُرْبَةِ دُونَ الطَّاعَةِ﴾ فالطاعة أعم من القربة، ﴿فَتَكُونُ الْقُرْبَةُ أَخَصَّ مِنْ الطَّاعَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ﴾.

هذه المسألة ختم بها ما يتعلق بالواجب وهو الحكم الشرعي الأول.

ولما فرغ من بيان أحكام الواجب ومسائله وما يتعلق به شرع في بيان ضده وهو الحرام؛ لأنه -كما تقدم- أن الخطاب إن ورد بطلب فعل طلباً جازماً فهو الواجب، وإن ورد بطلب ترك طلباً جازماً فهو الحرام، وعليه؛ فالحرام: ما اقتضى الشرع تركه اقتضاءً جازماً.

"ما اقتضى" يعني: ما طلب، خرج ماذا؟ المباح، إذ ليس فيه اقتضاء لا ترك ولا فعل.

قال: "ما اقتضى الشرع تركه" خرج به: ما اقتضى الشرع فعله، وهو الواجب والمندوب.

"اقتضاءً جازماً" خرج به المكروه؛ لأنه طلب الشرع تركه اقتضاءً غير جازم، وهذا باعتبار محل الحكم ومتعلَّقه، وأما الحكم نفسه فهو التحريم.

قال المصنف: (فَصْلٌ: الْحَرَامُ ضِدُّ الْوَاجِبِ) يعني: ضدان، وهذا باعتبار التقسيم السابق لا باعتبار الشرع، وإنما هو مجرد اصطلاح عند الأصوليين.

﴿وَإِنَّمَا كَانَ ضِدُّهُ بِاعْتِبَارِ تَقْسِيمِ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ, وَإِلاَّ فَالْحَرَامُ فِي﴾ الشرع ﴿ضِدُّ الْحَلاَلِ, إِذْ يُقَالُ: هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ كَمَا فِي قَولِهِ تعالى فِي سُورَةِ النَّحْلِ: "وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ"﴾ فتقابلا، هذا في الشرع. وأما عند الأصوليين -لأن العبرة بالتقسيم السابق- فحينئذٍ تقابل الحرام والواجب.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٤١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٤١١