تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذاً: (وَمَنْ لَهُ تَأْخِيرٌ) هذا غير المسألة السابقة، السابقة: من أخر ويعلم أنه لن يبقى، يعني: ظن الموت، والثاني: أخر مع ظن السلامة، إذاً: فرق بين المسألتين، فلا يلتبس. الأول أخر مع ظن الموت، والثاني أخر مع ظن السلامة، وحينئذٍ الأول هذا يأثم، والثاني لم يأثم، ولذلك قال: (لَمْ يَعْصِ) ﴿بِالتَّأْخِيرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا﴾ لماذا؟ ﴿لأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ﴾ فالتأخير حينئذٍ جائز له، والفوات هنا ليس باختياره، ويعصي فيما وقته العمر كالحج، وحينئذٍ على القول بأنه يقضي أو يُحجُّ عنه ولو تركه عمداً؟ يُحجُّ عنه، وإلا الأصل ماذا؟ الأصل أنه لا يُحجُّ، هذا الأصل فيه.

قال هنا: وَاعْتِبَارُ سَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ مَمْنُوعٌ لأَنَّهُ غَيْبٌ فليس إلينا.

قال ابن مفلح: ومن له التأخير فمات قبل الفعل لم يأثم في الأصح، وفاقاً للأئمة الأربعة، ويأثم بالحج، أي: بتأخيره إلى الموت، وإن كان الأصح في الحج أنه على الفور، فإذا أخره ولو لم يمت حينئذٍ يأثم، فإن مات ولم يحج فيه قولان: هل يُحجُّ عنه أم لا؟ ابن القيم رحمه الله تعالى في تهذيب السنن يميل إلى أنه لا يُحجُّ عنه، وإنما يُحجُّ عمن لم يتمكن من الحج، وكل النصوص الواردة في السنة إنما هي فيمن أدركه الإسلام أو الحج ولم يستطع، وأما المستطيع الذي أخر عمداً فهذا يميل ابن القيم رحمه الله تعالى أنه لا يُحجُّ عنه، هذا فضلاً عمن حج، فإذا كان كذلك فلا يُحجُّ عنه؛ لأن الأصل هو المنع في إقامة العبادة شخص عن شخص آخر، فيقال في الحج: إما أن يكون قد حج أو لا، فإن حج فلا يُشرع الحج عنه البتة ولا العمرة، هذا الأصح، لماذا؟ لأن الأصل المنع، ((وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)) وجاءت السنة بحالة واحدة خاصة: وهي فيمن أدركه الحج ولم يستطع الركوب فحسب، فحينئذٍ هذا يستثنى، ويبقى ما عداه على الأصل.

قال: ويأثم بالحج، أي: بتأخيره إلى الموت في الأصح للشافعية لتأخيره عن وقته وهو العمر، فيموت عاصياً. وحكى ابن مفلح في أصوله: التأثيم عن الأئمة الأربعة -أنه يأثم-، ونظير الحج: أن يموت آخر وقت الصلاة أو قبله بما لا يسعها؛ فإنه يعصي حينئذٍ.

إذاً: إذا أخر إلى آخر الوقت المحدد له شرعاً فحينئذٍ يكون آثماً، لماذا؟ لأنه يُعتبر مفرطاً.

ثم اعلم أن الواجب له أقسام باعتبارات، فهو باعتبار ملابسة المكلف إياه في وقته وخارجاً عن وقته ينقسم إلى أداءٍ وقضاءٍ وإعادة، وهذا مر الحديث عنه وفيه.

وباعتبار سقوطه عن المكلف بفعل غيره وعدم سقوطه عنه إلى واجب -واجب عين- وواجب كفاية.

وباعتبار كونه أحد الأقسام المحصورة وعدمه ينقسم إلى: واجب معين وواجب مخير.

وباعتبار كون وقته المقدر فاضلاً وغير فاضل ينقسم إلى واجب مضيَّق وواجب موسَّع، ومر. فالموسَّع -واضح- كأوقات الصلوات الخمس، والمضيَّق تارة يكون مطابقاً كالصوم، وتارة تكون العبادة فاضلة كما لو أدرك ركعة من المغرب ونحوها، ويأتي هذا مفصلاً.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٤٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٤٠٠