تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

{وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ((كَانَ عَلَى رَبِّك حَتْمًا مَقْضِيًّا)) أَيْ وَاجِبَ الْوُقُوعِ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ, وَإِلاَّ فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

فَيُقَالُ فِي الْوَاجِبِ: حَتْمٌ وَمَحْتُومٌ وَمُحَتَّمٌ} "لا يجب عليه شيء" هذا من فعل العباد، وأما إذا أوجب الباري شيئاً على نفسه فهو قد أوجبه ولا إشكال فيه، يعني: يمكن أن يقال بأن الباري جل وعلا قد أوجب أمراً ما على نفسه، ومن ذلك حديث معاذ المشهور.

﴿قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: حَتَمَ عَلَيْهِ الأَمْرُ حَتْمًا - مِنْ بَابِ ضَرَبَ - أَوْجَبَهُ جَزْمًا, وَتَحَتَّمْ: وَجَبَ وُجُوبًا لاَ يُمْكِنُ سُقُوطُهُ﴾.

(وَلاَزِمٌ) يعني: ﴿وَكَذَا لاَزِمٌ﴾.

قال في الحاوي وغيره: {حَتْمٌ وَلاَزِمٌ كَوَاجِبٍ.

قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَلاَ يُقْبَلُ التَّأْوِيلُ عِنْدَ الأَكْثَرِ, وَهُوَ مِنْ اللُّزُومِ وَهُوَ لُغَةً: عَدَمُ الاِنْفِكَاكِ عَنْ الشَّيْءِ. فَيُقَالُ لِلْوَاجِبِ لاَزِمٌ وَمَلْزُومٌ بِهِ, وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّدَقَةِ "وَمَنْ لَزِمَتْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ أُخِذَ مِنْهُ ابْنُ لَبُونٍ"} أي: وجب عليه ذلك.

(وَإِطْلاَقُ الْوَعِيدِ) يعني مما يدل على الواجب.

قال: (نَصٌّ فِي الْوُجُوبِ) اختاره الأكثر، فلا يقبل تأويلهم.

﴿لأَنَّ خَاصَّةَ الْوَاجِبِ مَا تُوُعِّدَ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ. وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ خَاصَّةِ الشَّيْءِ بِدُونِ ثُبُوتِهِ إلاَّ فِي كَلاَمِ مَجَازٍ﴾.

إذاً: إطلاق الوعيد يدل على الوجوب، وهو واضح بيّن.

(وَكُتِبَ عَلَيْكُمْ) ﴿مَأْخُوذٌ مِنْ كَتَبَ الشَّيْءَ إِذَا حَتَّمَهُ وَأَلْزَمَ بِهِ, وَتُسَمَّى الصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ﴾.

﴿((كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ))، وقال صلى الله عليه وسلم: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، وَمِنْهُ قوله تعالى: ((كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ))، ((كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ)) كُلُّ ذَلِكَ نَصٌّ فِي الْوُجُوبِ﴾.

إذاً: ذهب المصنف إلى أن هذه المذكورات: وجب، وفرض، وحتم، ولازم، وإطلاق الوعيد، وكُتب عليكم .. نص في الوجوب.

أما (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) هذا وارد استعماله أنه لم يستعمل إلا في الوجوب.

وأما (حَتْمٌ وَلَازِمٌ) فهذه محتملة، وكذلك: فرض ووجب كلها محتملة.

وقوله: (نَصٌّ فِي الْوُجُوبِ) هذا فيه نظر، بل هي ظاهرة في الوجوب إن دلت القرينة على ذلك.

{وَأَمَّا قوله تعالى: ((كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ)) - الآيَةَ.

فَقِيلَ: الْمُرَادُ وَجَبَ. وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ فَرْضًا وَنُسِخَتْ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْوَصِيَّةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهِمَا}.

يعني: اختلف فيه، "كُتب" هنا حمله بعضهم على المستحب، فحينئذٍ استعمل في غير المعنى الذي يتبادر منه، فكيف يكون نصاً في الوجوب.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٣٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٣٩٢