تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

{وَإِنْ صَدَقَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا وَكَذَلِكَ الآتِي بِهِ آتٍ بِالْوَاجِبِ, مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَأْثَمْ. وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إِذَا حَصَلَ التَّرْكُ الْمُطْلَقُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ. وَهَكَذَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُوَسَّعِ.

وَدَخَلَ فِيهِ أَيْضًا الْوَاجِبُ الْمُحَتَّمُ وَالْمُضَيَّقُ وَفَرْضُ الْعَيْنِ؛ لأَنَّ كُلَّ مَا ذُمَّ الشَّخْصُ عَلَيْهِ إِذَا تَرَكَهُ وَحْدَهُ ذُمَّ عَلَيْهِ أَيْضًا إذَا تَرَكَهُ هُوَ وَغَيْرَهُ}.

إذاً: (مُطْلَقًا) إما أن يكون عائداً إلى الذم، فثم بعض الواجبات قد يُذم عليها من وجه دون وجه، فحينئذٍ لا يصدق عليه الذم إلا إذا ترك الجميع.

وثانياً: يحتمل أنه عائد إلى الترك، فمن ترك في أول الشيء دون آخره فحينئذٍ لا يتوجه إليه الذم وإنما يتوجه إليه الذم إذا ترك مطلقاً.

إذاً: هذا هو حقيقة الواجب على ما اختاره المصنف رحمه الله تعالى: (مَا ذُمَّ شَرْعًا تَارِكُهُ قَصْدًا مُطْلَقًا).

﴿وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْحُدُودِ﴾ المشهورة عند الأصوليين ﴿فَالْحَدُّ الثَّانِي: أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ﴾. وهو حد صحيح ولا إشكال فيه؛ لأنه هو الأصل، وكونه معفواً عنه في الآخرة هذا ليس لنا بحث فيه، وإنما نبحث في دلالات النصوص فحسب، فما دل عليه النص هو أن الأصل في صيغة افعل تدل على إيجاب وجزم، وعلى أنه لو تخلف الفعل حينئذٍ الأصل فيه أنه يأثم، وأما العفو ونحوه فهذا مرده إلى الآخرة.

فكون الباري جل وعلا يعفو عن زيد وقد ترك واجباً لا يرفع الحكم بكونه واجباً، بل هو واجب لكن الثواب والعقاب هذا مرده إلى الباري جل وعلا.

﴿الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَاجِبَ مَا تُوُعِّدَ عَلَى تَرْكِهِ بِالْعِقَابِ﴾ وهو كذلك .. داخل كالسابق .. حد صحيح ولا إشكال فيه.

﴿الرَّابِعُ: مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا﴾ يعني: مطلقاً، فيُحمل على الإطلاق.

﴿الْخَامِسُ: مَا يُخَافُ الْعِقَابُ بِتَرْكِهِ﴾ هذا قريب من الأول.

{السَّادِسُ: لاِبْنِ عَقِيلٍ, فَإِنَّهُ حَدَّهُ بِأَنَّهُ إِلْزَامُ الشَّرْعِ.

وَقَالَ: الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ أَحْكَامُهُ وَمُتَعَلَّقَاتُهُ.

قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: فَحَدُّهُ بِهِ يَأْبَاهُ الْمُحَقِّقُونَ وَهُوَ حَسَنٌ}.

﴿إِلْزَامُ الشَّرْعِ﴾ وأما الثواب والعقاب فهي أحكامه ومتعلقاته، لكن كما مر معنا أن التعريف هنا في أصله إنما هو بالأثر وليس بالحد والحقيقة.

قال: (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْوَاجِبِ.

بعدما بيّن لنا الواجب قسّم لنا الواجب إلى قسمين؛ لأن الواجب ينقسم باعتبار اشتراط النية في الاعتداد به قسمان:

الأول: قسم لا يعتد به إلا بنية الامتثال، يعني: لا يصح ولا تبرأ الذمة ولا يُجزئ إلا بنية الامتثال كالصوم، والصلاة وهذا واضح. يعني: العبادات المحضة لا يصح ولا يجزئ إلا بنية ((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) [البينة:5] قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" يعني: لا عمل إلا بنية، وهذا محل وفاق.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٣٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٣٨٤